خلوة حريصا حجّمت دور الكنيسة وكرّست محلّية القرار المسيحي؟

عندما قرر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي دعوة النواب المسيحيين الى خلوة صلاة وتأمل، كان واضحاً السقف المنخفض الذي ينطلق منه سيد بكركي في جمع الكتل المسيحية رغم الظروف الاستثنائية التي تتطلب رفع السقف الى الحد الأقصى الذي يحفظ لبكركي موقعها ومرجعيتها في الخيارات الوطنية.

هكذا كانت حال بكركي دائماً، باستثناء حالها بالأمس في بيت عنيا. هل لأن البطريرك مدرك لتعذر جمع رعاياه تحت سقف واحد وعنوان سياسي واحد، أم لأنه مدرك أن قدرة بكركي باتت أعجز أو أضعف من أن تنجح في رسم خريطة طريق أو تحديد بوصلة، كما فعلت على مر التاريخ وفي المحطات التاريخية، منذ أن قرر البطريرك الحويك إعلان لبنان الكبير؟ هل اعتقد البطريرك أن خلوة صلاة وتأمل يمكن أن تعيد النواب المسيحيين الى قيمهم المسيحية في زمن الصوم وأسبوع الآلام، فيستعيدوا شيئاً من تواضع السيد المسيح وتسامحه، ويجتمعوا على خيارات وطنية تنقذ البلاد من الأزمة الكيانية التي وصلت إليها؟

كذلك بدا واضحاً من الخلوة وما نتج عنها وكان مقرّراً سلفاً، أن أصحاب الدعوة لم يرتقوا في طموحاتهم الى تحقيق خرق في المشهد المسيحي المأزوم والمشرذم، تمهيداً لتوحيد الجهود لمواجهة استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية تكون كلمة الفصل فيه لهذا الفريق.
بدا واضحاً أيضاً أن بكركي لم تسع الى الخروج من محيط حريصا الى الأفق الإقليمي الأوسع لمواكبة المتغيرات المتسارعة الحاصلة والمتجاوزة للملف اللبناني في العموم وللشأن المسيحي على وجه الخصوص.

لعل هذا ما دفع بالنائب السابق فارس سعيد الى سلسلة تغريدات استعاد فيها مشهدية قرنة شهوان التي انطلقت “من أجل حوار وطني جامع”، مذكّراً بأن اللقاء الذي بدأ مسيحياً تحوّل وطنياً عندما “صالح وليد جنبلاط، ثم حاور حزب الله-أمل، ثم تحالف مع الرئيس الحريري وركب أمواجاً مؤاتية..” داعياً حاريصا الى “استطلاع ما يجري في لبنان والمنطقة والعالم. نحن نتخبط في محلية سياسية. غيرنا في طهران وكييف وموسكو وبكين. المعركة غير متوازنة”.

تأتي هذه التغريدة من صاحب تجربة طويلة بدأت من قرنة شهوان التي تكوّنت مسيحياً على أثر صدور بيان المطارنة الموارنة الشهير عام ٢٠٢٠ لتتحوّل في ما بعد الى العمل على حوار وطني جامع. وعندما يتحدث صاحب هذه التجربة عن “محلية سياسية” غرقت فيها بكركي، فهذا يعني أن سعيد، مثله مثل الكثير من الأوساط المسيحية التي تابعت نتائج خلوة بيت عنيا يعون أنه لن يكون لهذه الخلوة تابع وهي عجزت عن الخروج من طابعها المسيحي الى الأفق الوطني الأوسع.
فالخطوة لم تتطرّق الى السياسة، بل اكتفت بالتأمل والصلاة. وهي لم تخرج ببيان سياسي يمكن التعويل عليه لرصد موقف بكركي في المرحلة المقبلة من مسار الاستحقاق الرئاسي من جهة، ومن موقع لبنان مما يحصل من متغيرات وتسويات على مستوى المنطقة والعالم، ليأخذ لبنان مكانه، تماماً كما فعلت بكركي عام ١٩٢٠ عندما نادت بلبنان الكبير، أو في عام ١٩٤٣ عندما اختارت الاستقلال على الاستمرار في الانتداب، أو في عام ١٩٨٩ عندما اختارت السير بدستور الطائف.

أما اليوم وفي ظل التقارب الإيراني السعودي الذي يحصل بعدما انقسم مسيحيو لبنان بين شريك للسعودية وشريك لإيران، فهل تحجّم بكركي دورها ببعض العتب والإدانة لنواب الأمة المسيحيين لعجزهم عن القيام بما يسهّل انتخاب رئيس؟

في رأي فارس سعيد، الذي استطلعت “النهار” حيثية تغريدته اللافتة، إن بكركي بيّنت بعد خلوة حريصا أنها غارقة في حسابات سياسية محلية. تسعى الى مصالحة مسيحية مسيحية أوقعها في شركها الفريق الآخر عندما وصف أزمة الرئاسة بأنها أزمة مسيحية. لا يوافق سعيد بكركي في هذه النظرة، وبأن المصالحة المسيحية تنتج رئيساً. كان يأمل ببيان سياسي، أو على الأقل قراءة سياسية جدية وواعية إن من قبل بكركي أو من قبل النواب لما يجري في المحيط، لكنه يأسف لأن الخلوة انتهت الى تكريس مشهد جديد لم يكن يُفترض أن يحصل. فالخطوة في رأيه كسرت عزلة رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل الذي كان يسعى جاهداً الى إنتاج مشهد مسيحي جديد يشبه تفاهم معراب، تصدّت له القوات اللبنانية وكرّسته بكركي تحت عنوان روحي.

أكدت الخلوة بالنسبة الى سعيد، محلية الخيار المسيحي من دون النظر الى الظروف الاقليمية والدولية وما تتطلبه من جهوزية ومقاربة في قراءة معطياتها.

قد ترى بعض الأوساط السياسية أنه ليس مطلوباً من بكركي أن يكون لها دور سياسي يتجاوز دورها الروحي والكنسي، وأن خطوة الراعي تصبّ في هذا الإطار لئلّا يفهم أن الخلوة تحوّلت الى تفاوض على أسماء مرشحة للرئاسة، ولكن إن كان هذا هو واقع الأمور، فما الذي يفسّر تحوّل بكركي الى طرف مفاوض، يوفد مراسلات الى ضاحية بيروت الجنوبية لتسليم قيادة “حزب الله” لائحة بأسماء مرشحين، وهل أصبح دور الصرح مقتصراً على صندوقة بريد؟

 

سابين عويس – النهار