طريق “الحزب” إلى القصر… مقطوعة

يعتبر “الحزب” انّ مشروعه الخاص في لبنان الذي يتجسّد بمصطلح “المقاومة” يتطلّب غطاء المشروع العام للبنانيين الذي يتجسّد بالدولة، اي سيطرته على الرئاسات الثلاث وكل مفاصل الدولة الاستراتيجية.

يتعامل “حزب الله” مع الرئاسة الثانية، اي رئاسة مجلس النواب، بكونها خارج النقاش والبحث بفِعل إقفاله دائرة النواب الشعية الـ27، ويرى ان الرئاسة الأولى، أي رئاسة الجمهورية، وظيفتها حماية ظهر “المقاومة”، ما يعني ان رئيس الجمهورية يجب ان يكون من صفوف “المقاومة” وتحت عنوان التوافق طبعاً. وهو مطمئن الى ان الرئاسة الثالثة، أي رئاسة الحكومة، انتقلت بعد 7 أيار ومروحة من الاغتيالات إلى الواقعية والبراغماتية السياسية وتخلّت عن دور رأس حربة المشروع السيادي الذي ترجمته في حكومات بعد انتخابات العام 2005.

ويتجاهل “حزب الله” 6 وقائع صلبة تحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفه وتقطع طريق القصر الجمهوري عليه:
الواقعة الأولى تتعلّق بالانهيار المالي الذي بدأ على أثر الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل حكومة اللون الواحد، لأنه عدا عن انّ فريق 8 آذار لا يوحي بالثقة للداخل والخارج، فإنه لا يَفقه فنّ الحكم ويدير الدولة تِبعاً لمصالحه ومشروعه الخاص، وهذه السياسة قادت إلى انهيارات متتالية فصولاً وكان يمكن للرئيس ميشال عون وقف الانزلاقات في مطلع رئاسته، ولكنه بَدّد هذه الفرصة كون هذا الفريق غير مؤهّل للحكم، وبالتالي كيف يمكن ان يبقى الفريق المُمانع في رأس هرم السلطة وهو مَن أوصَل البلد إلى الهاوية وغير قادر على إخراجه من هذه الهاوية؟
الواقعة الثانية ترتبط بميزان القوى النيابي الذي أفرزته الانتخابات النيابية، وإذا كان هذا الميزان لا يسمح للمعارضة بإيصال مرشحها الرئاسي، فإنه لا يسمح أيضاً للفريق المُمانع بإيصال مرشحه، وأسلوب التعطيل وتخيير الفريق السيادي-الإصلاحي بالشغور المفتوح او انتخاب الرئيس الممانع لم يعد بضاعة قابلة للترويج. وبالتالي، ما صَحّ ماضياً لن يصحّ حاضرا ولا مستقبلا، وعلى فريق 8 آذار ان يسلِّم بميزان القوى المجلسي وان يقتنع باستحالة انتخاب رئيس من صفوفه.

الواقعة الثالثة تتّصِل بميزان القوى الشعبي الذي أظهر في الانتخابات النيابية وقبلها في انتفاضة 17 تشرين وجود أكثرية شعبية ضد الفريق الممانع، وهذه الأكثرية لديها قناعة تامة بضرورة تغيير السياسات المتبعة من أجل إخراج البلد من كبوته، وانه لم يعد من الجائز تبدية مشروع خاص كانت نتائجه مدمِّرة وكارثية على حساب مشروع عام يُعنى بوضع كل مواطن لبناني ومستقبله في هذا البلد، ولا يُعقل الإتيان برئيس للجمهورية ضد إرادة أكثرية اللبنانيين.

الواقعة الرابعة تتعلّق بميزان القوى الوطني الذي أثبتت الانتخابات النيابية انّ مشروع “حزب الله” الخاص خسر حضوره داخل البيئات المسيحية والسنية والدرزية، ومن غير العدل ولا المنطق تعيين رئيس للجمهورية يمثِّل الحزب ومشروعه ويتناقض مع الطوائف والمذاهب الأخرى وجميع اللبنانيين، ومن المؤشرات البارزة على هذا المستوى ان النواب السنّة الذين يُصنّفون في خانة الحلفاء للحزب لا يدافعون عن مشروعه الخاص المسمّى “مقاومة”.

الواقعة الخامسة تتّصل بميزان القوى المسيحي الذي لم يعد يسمح، مع تراجع حليف “حزب الله” المسيحي “التيار الوطني الحر” وتقدُّم “القوات اللبنانية” نيابيا وشعبيا وانتقالها إلى الصفوف الطليعية، بانتخاب رئيس للجمهورية حليف للحزب، واي رئيس من هذا القبيل يشكّل انقلابا على ما أفرزته الانتخابات التي أعادت تصحيح الانقلاب على الخط المسيحي اللبناني التاريخي القائم على ثلاثية:

– نهائية الكيان، اي السيادة،

– مركزية الدولة ولا مركزيتها، اي القرار الاستراتيجي الدفاعي والمالي والخارجي بيد المركز، والقرارات الحياتية بيد الأقضية،

– الحياد الذي يشكل الوصفة السحرية للدول التعددية.

الواقعة السادسة ترتبط بميزان القوى الخارجي الذي يبدأ بواشنطن ولا ينتهي بالرياض مروراً بباريس والقاهرة، وكل هذه العواصم وغيرها وصولاً إلى الفاتيكان تنشُد الاستقرار في لبنان وتريد ان يكون هذا البلد ضمن الأسرَتين العربية والدولية، ودانت القمة الأخيرة للرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون قمع السلطة الإيرانية لشعبها وحذّرت طهران من الاستمرار في برنامجها النووي، ومن غير المنطقي ولا الطبيعي ان تنتزع إيران، التي تتخبّط داخل حدودها وفي عزلة دولية، رئاسة الجمهورية في لبنان على حساب ميزان قوى عربي وغربي يريد الحد من النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة.

فكل ما تقدّم من وقائع، وغيرها ربما، لا يسمح لـ”حزب الله” بانتخاب رئيس للجمهورية من صفوفه، وما لم يقتنع بهذه الوقائع فيعني استمرار الشغور إلى أمد مفتوح ويتحمّل الحزب مباشرة مسؤولية هذا الشغور، فيما الظروف السياسية المعقّدة والمتشعِّبة التي أدّت إلى انتخاب الرئيس عون بعد أن كان قد أعلن انعطافة سياسية واضحة لم تَعد تصُحّ اليوم ولو أعلن مرشحه مواقف مماثلة للتي أطلقها عون سابقاً، وبالتالي عليه ان يدرك ان ما صحّ بالأمس لم يعد يصحّ اليوم.

والتهويل الذي استخدم مع الشغور السابق بأنه سيقود إلى مؤتمر تأسيسي ليس فقط لم يعد يخيف أحداً، بل تحوّل المؤتمر التأسيسي إلى مطلب لبناني لإنهاء سيطرة “حزب الله” على الدولة اللبنانية، خصوصا ان المعطيات الشعبية والسياسية والخارجية لا تسمح له بوضع يده على البلد. وبالتالي، من يخشى مؤتمرا من هذا النوع هو الحزب لا أخصامه، خصوصا في ظل التشديد المتواصل للبطريرك الماروني بشارة الراعي على ضرورة انعقاد مؤتمر دولي كمدخل وحيد لإنهاء الأزمة اللبنانية.

أمّا الكلام عن رئاسة جمهورية لـ”حزب الله” مقابل رئاسة حكومة للسعودية او الغرب فلا يصحّ بدوره لأربعة أسباب أساسية تُضاف على الوقائع الست أعلاه وتحديداً المسيحية:

السبب الأول لأنّ رئاسة الجمهورية هي لـ 6 سنوات ويضمن من خلالها “حزب الله” ولاية رئاسية كاملة، فيما رئيس الحكومة يُمكن إسقاطه على غرار إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى، اي انه يمرِّر المقايضة وفي أول فرصة ينقضّ عليها.

السبب الثاني لأن إصرار “حزب الله” على المشاركة في الحكومات يحوِّله إلى قوة تعطيل داخلها، ما يعني انه عند أول منعطف تناقضي بين أجندة الحكومة وأجندة الحزب يعمل على شلّها وتعطيلها.

السبب الثالث لأن هذه المعادلة وهمية وغير حقيقية ويوحي من خلالها بأنه يقدِّم تنازلاً، فيما لا يقدِّم عمليا اي تنازل، لأن اي شخصية سنية لا تستطيع الدخول إلى السرايا من رافعة “حزب الله” وضد البيئة السنية وعمقها السعودي، ورهان الحزب هو على براغماتية اي رئيس حكومة يريد ان يتجنّب تفشيله وتعطيله.

السبب الرابع لأن السلطة الإجرائية برأسَيها رئيسي الجمهورية والحكومة ومعهما مجلس الوزراء لم يعد بالإمكان استمرارهم أداة طيِّعة بيد “حزب الله”، لأنه خلاف ذلك يعني استمرار الأزمة باعتبار انه من شروط الإنقاذ الأساسية وضع مؤسسات الدولة في خدمة المشروع العام للبنانيين وليس المشروع الخاص للحزب.

ولكل ما تقدّم من اعتبارات لم تعد تصحّ مقولة ان “الرئاسات الثلاث لنا”: واحدة تحصيل حاصل وثانية لحماية ظهر المقاومة وثالثة بتحييدها وصولاً إلى تعطيلها في حال خرجت عن حياديتها، والمقصود هنا بالحيادية في حال اتخذ رئيسها مواقف تتناقض مع مشروع “حزب الله” الخاص.

ولن يُنتخب رئيس الجمهورية العتيد سوى عندما يقتنع “حزب الله” بأنّ الوقائع النيابية والوطنية والشعبية والسياسية والمسيحية والدولية لم تعد لصالحه، وان حدود دوره تقف عند حدود عتبة القصر الجمهوري، وان الطريق بين حارة حريك وبعبدا لم تعد سالكة. وإذا لم يقتنع الحزب بهذه الوقائع الصلبة فإنّ الشغور الرئاسي سيتمدّد فصولاً ويتحمّل الحزب مباشرة مسؤولية عدم انتخاب رئيس للجمهورية.

 

 

شارل جبور – الجمهورية