أوقفوا “تشريع الاستهبال”!

تتحول الجلسات التي تدأب اللجان النيابية على عقدها لوضع مشروع قانون “الكابيتال كونترول” وإنجازه الى أحد اسوأ نماذج “استهبال” الشعب اللبناني ومعه التذاكي الأشد فداحة في محاولة ذرّ الاستهبال في عيون المجتمع الدولي. مرت ثلاث سنوات وستمر بعدها السنة الرابعة على انهيار مالي اقتصادي تاريخي نادرا ما عرف العالم نماذج مماثلة له، وفقد اللبنانيون ودائعهم المصرفية وجنى أعمارهم المدفونة في المصارف باستثناء الذين مررت لهم اكبر عملية نصب ومنهبة في تهريب أموالهم الى الخارج، فيما لا يزال هذا المجلس النيابي “الاعجوبة” يدأب على التذاكي ومحاولات ايهام الناس بانه ساعٍ الى استدراك ما يمكن استدراكه بعد. وما دام الشيء بالشيء يُذكر فلعلّنا لن نفوّت فرصة تذكير مَن يسهو عن بالهم اننا في حضرة برلمان اعتُبر انه انجاز العصر والاختراق الأعظم في تاريخ البرلمانات اللبنانية لانه وليد قانون النسبية بما يفترض ان يواكب ذلك تشريعٌ انقلابي في معايير الحداثة ونقل لبنان من ضفة الى أخرى. وها نحن الآن امام اكبر هذه النماذج “الاختراقية” في تخبط هذا المجلس في أسوأ ما يطبق على لبنان من جلسات عقم انتخابية تتوالى حلقاتها كل خميس بمهازل، وفي موازاتها جلسات أشد عقماً في ملفات الانهيار المالي الذي كان يستدعي أساسا تشريعا استثنائيا لوضع كارثي، فاذا بنا امام وقائع إضافية من العبث التشريعي الذي يعكس المستوى الهابط المخزي للمسؤوليات التي تتحكم بلبنان في مرحلة احتضاره.

لن نقف امام ما يعلَن ويقال في سوق المزايدات النيابية حول عيّنة أساسية من عينات الإجراءات والتشريعات والقوانين التي كان يفترض ان تنفّذ أو تشرّع قبل وخلال وبعد الانهيار المالي وأولها “الكابيتال كونترول”، وتُركت وأُهمِلت أو راحت تجرجر عجزها حتى الساعة. ذلك ان كل تشريعات العالم الحديث لن تجدي لبنان نفعاً بعد ثلاث سنوات من هذه الكارثة التي دفع اللبنانيون، مقيمين ومنتشرين أينما كانوا، الاثمان القاتلة لها فيما يراد لنا اليوم المضي في تصديق هؤلاء اللاهين بكارثة الناس ان يقنعونا بان قانونا صار فارغا من أي جدوى بعدما مر الوقت الحاسم لإبرامه سيعيد الى الناس الثقة باستعادة ما فقدوه او سيفرمل دورة النزف المالي.

والاسوأ ان يبشروا اللبنانيين أخيرا بان “الكابيتال كونترول” الذي يُختصر بانه قانون ضبط التحويلات المالية، لن ينفذ اذا وصلوا الى إنجازه واقراره قبل إقرار قوانين أخرى لصيقة ولازمة في عملية التعافي المالي والاقتصادي ومنها إعادة هيكلة القطاع المصرفي. “إعادة الهيكلة” هذه بعدما انتشر نحو مليون لبناني مهاجر إضافي في سائر اصقاع العالم بفضل هذا الابداع في إدارة الانهيار على ايدي السلطة السياسية بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية كما بأفضال السلطة المصرفية الموزعة بين مصرف لبنان والمصارف الخاصة. نتساءل مع كل هذا: “إعادة هيكلة” ماذا ولمن بعد خراب لبنان واللبنانيين؟ ثم محاولات الضحك على ذقون الناس الى متى؟ لقد لفظ المجلس السابق أنفاسه منذ اللحظة التي لم يضع يده الرقابية على السلطة التي انفجر الانهيار في عهدها وظلها، وها هو المجلس الحالي يُحتضر مهترئا بعجزه عن منع الفراغ الرئاسي أولا، والحؤول دون تمادي الكارثة المالية بإصدار التشريعات الحاسمة المتأخرة والمطلوبة داخليا ودوليا ثانيا. اقله كفّوا عن محاولات استهبال الناس وأوقفوا جولات العقم الفاضحة!

 

 

نبيل بومنصف – النهار