نحو التجديد لـ”عهد الحزب”

لم تبقَ جمهوريّة للتفكير في انتخاب رئيس للجمهورية. تؤكّد مسيّرات “حزب الله” فوق حقل “كاريش” للغاز الإسرائيلي سقوط الجمهوريّة. لم يعُد في الإمكان الكلام عن دولة لبنانيّة عندما لا يفوّت “حزب الله”، الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، أيّ فرصة لإبلاغ العالم، خصوصاً دول الخليج العربيّة، أنّ أجندته إيرانيّة بنسبة مئة في المئة، وأنّه ممسك تماماً بقرار الحرب والسلم في لبنان.

تكفّل ميشال عون وصهره جبران باسيل بالقضاء على الجمهورية وعلى مؤسّساتها ومقوّمات وجودها. سيحاول “حزب الله” البناء على الدمار الذي خلّفه العهد البرتقالي الذي طالما نادى رئيسه بالسيادة والاستقلال.
سيحاول الحزب تمرير انتخاب رئيس جديد للجمهورية في إطار صفقة شاملة متكاملة لا تبدو فرنسا بعيدة عنها، خصوصاً بوجود إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. يبدو ماكرون مستعدّاً لمدّ الجسور مع الحزب والأخذ والردّ معه غير آبه بالخطر الوجودي الذي يشكّله على لبنان وعلى الوجود المسيحي فيه تحديداً.

لدى الحديث عن الدمار اللبناني، الذي عمل “حزب الله” من أجله بهدف بلوغ الوضع الراهن، لا مجال لتجاهل الواقع الأليم المتمثّل في أنّ تأثير انهيار النظام المصرفي ما زال في بدايته.

سيدرك اللبنانيون وأبناؤهم في يوم من الأيّام معنى ما حصل ومدى مسؤولية الدولة في عهد ميشال عون – جبران باسيل عن كارثة لا حدود لضخامتها وأبعادها في مجال تغيير طبيعة المجتمع اللبناني كلّه وصورة لبنان وهويّته. قد يدرك اللبنانيون يوماً، بعد فوات الأوان طبعاً، لماذا رفض رئيس الجمهورية سريعاً، بل سريعاً جدّاً، أيّ تحقيق دولي في تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020. أراد بكلّ بساطة قطع الطريق على معرفة الحقيقة لا أكثر. ثمّة خوف ليس بعده خوف لدى كثيرين من تحقيق دولي يكشف ما كشفته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي نظرت في جريمة تفجير موكب رفيق الحريري ورفاقه. لم تترك المحكمة أيّ ثغرة في التحقيق الذي بنت عليه قرارها، والذي يحدّد من نفّذ الجريمة ومن لعب دوراً في تغطيتها… في سياق مخطّط مدروس يستهدف تدمير بيروت ولبنان!

أكثريات الحزب الكثيرة

على الرغم من الوضع الكارثي القائم حالياً، يبدو ضرورياً التفكير في إنقاذ ما بقي من الجمهوريّة. هذا إذا كان في الإمكان إنقاذ شيء منها، قبل التفكير في انتخاب رئيس للجمهوريّة… بناء على نصيحة الفاتيكان وغيره من الدوائر الدولية والعربيّة القليلة التي ما زالت تفكّر في لبنان وتبدي حرصها عليه في هذا العالم الممتلئ بالتعقيدات.

يبدأ التفكير في إنقاذ الجمهوريّة بتحديد أصل العلّة في لبنان، أي الاحتلال الإيراني الذي يرمز إليه سلاح “حزب الله”. بكلام أوضح، توجد حاجة إلى البحث في كيفيّة إنقاذ الجمهوريّة قبل الاختلاف على انتخاب رئيس للجمهوريّة مع قرب نهاية “العهد القويّ” في 31 تشرين الأوّل المقبل بعد ثلاثة أشهر ونصف شهر من الآن.
من ينقذ الجمهوريّة؟ وكيف يمكن إنقاذ الجمهوريّة؟ لا جواب عن مثل هذا النوع من الأسئلة في ظلّ التوازن الإقليمي القائم وفي ظلّ العزلة التي يعيشها لبنان. ليس هناك، في المدى المنظور، من يريد بالفعل تغيير التوازن الإقليمي الحالي باستثناء أنّ من الصعوبة استمرار الوضع في الجنوب السوري على حاله. يبدو واضحاً أنّ الضغوط الروسيّة والإيرانيّة على تركيا أخّرت أيّ عملية عسكرية تركيّة في الشمال السوري.

ستكون إيران في الأشهر القليلة المقبلة، في أقلّ تقدير، لاعباً إقليمياً مهمّاً في وقت لا وجود لأيّ اهتمام عربي أو دولي بلبنان ومصيره. سيمرّر الحزب مرشّحه للرئاسة بتفاهم مع فرنسا. يمتلك الحزب أكثريّات عدّة في مجلس النواب الجديد الذي يمكن وصفه بأنّه مجموعة جزر صغيرة، أي أنّه أقرب إلى أرخبيل أكثر من أيّ شيء. استخدم الحزب إحدى الأكثريّات لإيصال نبيه برّي مرّة سابعة إلى موقع رئيس مجلس النواب. استخدم أكثريّة أخرى لمنع وصول متعاطف مع “القوات” إلى موقع نائب رئيس مجلس النوّاب. استخدم شبه أكثريّة ثالثة لضمان إعادة تكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة.

السلاح يحمي الفساد

قياساً على ما حدث في مرحلة ما قبل انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة، بدعم من سمير جعجع أوّلاً ومن سعد الحريري في الدرجة الثانية، ليس مستبعداً تكرار السيناريو نفسه بعد خروج ميشال عون من قصر بعبدا. خلّف الرجل مع صهره ما يكفي من الدمار كي يكون هناك تجديد لـ”عهد حزب الله” تحت اسم جديد، قد يكون سليمان فرنجيّة، في وقت يبدو واضحاً أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران تلعب أوراقها بدقّة وباتت قادرة على الاستفادة من ضعف الدور الروسي في سوريا.
لم تكن مسيَّرات “حزب الله” فوق “كاريش” رسالة إلى أهل المنطقة والمجتمع الدولي بمقدار ما كانت رسالة إلى اللبنانيين. فحوى الرسالة أنّ الحزب هو لبنان ولبنان هو الحزب. أمّا بالنسبة إلى انتخاب رئيس للجمهوريّة، فلا فارق بين انتخاب مرشّح الحزب من جهة، والفراغ من جهة أخرى.

يبقى موضوع جبران باسيل المعترِض على بقاء نجيب ميقاتي في موقع رئيس مجلس الوزراء، موضوعاً قابلاً للمعالجة. لا يستطيع جبران الخروج عن إرادة “حزب الله”، لا لشيء إلّا لأنّ الحزب أعطاه منذ عام 2006، تاريخ توقيع وثيقة مار مخايل، أكثر بكثير ممّا يستحقّ. جعله المستفيد الأوّل أو الثاني، في أسوأ تقدير، من معادلة السلاح يحمي الفساد..

 

خيرالله خيرالله – أساس ميديا