ملامح “ناتو” شرق أوسطي… لماذا؟

كَثُرَ الكلام مؤخراً عبر وسائل الإعلام، عن تكوين «ناتو» شرق أوسطي، نواته بعض دول الخليج العربي، الأردن، إسرائيل، مصر والولايات المتحدة الأميركية؛ متفاعلاً ومتناسقاً مع الـ»ناتو» الأورو-أميركي، أي حلف شمالي الأطلسي الذي مضى على إنشائه أكثر من سبعة عقود.

عندما يُقال «ناتو» بين دول معينة، يتبادر إلى الذهن أن التعاون بين هذه الدول، تجاوز التنسيق السياسي ليصل إلى التعاون العسكري. لكن فكرة التعاون العسكري والإنتظام القتالي في حلف معين محتمل، يلزمها وقت طويل لتصبح فاعلة. فهي تستند الى البديهيات التالية:

1- تحديد مصدر الخطر الذي يهدد هذه الدول والإتفاق على توصيفه.

2- تنسيق سياسي واسع على مستوى وحدة المصير الستراتيجي تجاه هذا الخطر.

3- تنسيق نظري وعملي لناحية:

– توحيد منظومة الأسلحة، أو على الأقل تنسيق عملها وتعاونها بدءاً بالمستويات الكبرى لهذه الأسلحة .

– إجراء تدريبات مشتركة لهذه المنظومة لتأكيد فعاليتها أثناء التنفيذ.

هذه الأمور تُعتبر أساسية لتكوين الأحلاف العسكرية، كما حصل سابقاً في حلف «وارسو»، وكما هي الحال اليوم في حلف شمالي الأطلسي.

إذا ما حاولنا تطبيق هذه المعايير الأولية على الدول موضوع الـ»ناتو» الشرق أوسطي المزعوم نجد:

سياسياً: تدور هذه الدول في فلك الغرب أو الدول الديموقراطية بنسبة 90% منذ سبعة عقود، باستثناء مصر التي انضمت إلى هذه المجموعة قبل نصف قرن.

عسكرياً: المنظومات العسكرية لهذه الدول هي متكاملة أصلاً، إذ أن معظم أسلحتها الأساسية مصدرها دول الغرب، وأنظمتها القتالية تتشابه وتتكامل بسبب وحدة مصدر هذه الأسلحة وطرق التدريب عليها.

– تحديد الأخطار: قبل سقوط الإتحاد السوفياتي، كان فكر هذا الأخير مصدر التهديد السياسي لكثير من هذه الدول، ولم يرتق يوماً إلى مستوى التهديد العسكري؛ لذلك اقتصرت مواجهته بالسياسة في حينه. أما اليوم، وبعد زوال الخطر السياسي السوفياتي، استجدَّ في المنطقة خطر سياسي جديد متجسِّد بالنظام الإيراني الذي يحاول السيطرة بالعنف على الشرق الأوسط؛ مدعوماً بمشروع نووي، يحاول فرضه على الأسرة الدولية، ويشكل تهديداً وجوديَّاً مباشراً لدول الحلف «الموعود» وخطراً على السلام الدولي.

تجاه هذا الخطر الوجودي المشترك لهذه الدول بمصدره الإيراني، جاءت فكرة الحلف بعد تخلِّي بعض هذه الدول أو معظمها عن أثقال العداوات التاريخية بينها، لتشكل حلفاً لمواجهة الوضع الأخطر. فهل يمكن لهذا الحلف أن ينجح في التصدّي عسكرياً للخطر النووي الإيراني؟ وكيف؟

الجيش الإسرائيلي، المعني الأول بهكذا عمل عسكري، ينفذ تدريبات منذ سنوات تحضيراً لتنفيذ عمليات مركبة ضد المنشآت النووية الإيرانية. فقد قام هذا الجيش بمناورات جوية مشتركة بعيداً عن الأرض الإسرائيلية، مع سلاح الجو اليوناني فوق الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط تكللت حينها بالنجاح. ثم عاد وطوّر هذه المناورات عندما نجح بتنفيذ مناورات جوية إسرائيلية وصلت إلى مضيق جبل طارق على المحيط الأطلسي؛ مع ما يترتب على هذه المسافة البعيدة من صعوبات لوجيستية جوية (إذ أن المسافة الجوية بين إسرائيل والمحيط الأطلسي تساوي ثلاثة أضعاف المسافة الجوية بين إسرائيل وإيران). مؤخراً، خلال هذا العام، أقيمت مناورات جوية مشتركة مسرحها البحر الأحمر، إشتركت فيها الولايات المتحدة الأميركية، إسرائيل، مصر، الأردن والإمارات العربية المتحدة (هي الأولى من هذا النوع بين إسرائيل ودول عربية). كلها رسائل سياسية وعسكرية باتجاه إيران لردعها عن مواصلة مشروعها النووي الذي يعتبر مصدر تهديد أساسي لهذه البلدان.

ويبقى السؤال: هل يمكن لدول الـ»ناتو» العربي أن تشترك عسكرياً بضرب المفاعلات النووية الإيرانية؟ طبعاً من المستبعد، إن لم نقل أكثر من ذلك، أن تشترك الدول العربية داخل الحلف في هذه الحرب ضد المفاعلات النووية الإيرانية لأسباب عديدة أهمها: الجوار التاريخي بين الشعبين منذ آلاف السنين، اعورار هذه الدول، وأخيراً صعوبة لا بل استحالة لملمة نتائجها في المستقبل…. لكن يمكن لهذه الدول تسهيل عملية ضرب هذه المنشآت، بالتغاضي عن استخدام أجوائها من قبل سلاح الجو الإسرائيلي. فإذا ما استُخدِمت الأجواء العربية لبعض دول الحلف «الموعود»، من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، يمكن التأكد من زيادة فعالية هذا السلاح في تنفيذ مهمته. فالطريق الجوي بين إسرائيل وإيران، يمر إما عبر الأجواء الأردنية والعراقية؛ أو عبر الأجواء الأردنية السعودية؛ أو فوق المياه الدولية، عبر خليج العقبة فالبحر الأحمر فبحر العرب أي ملتفاً حول شبه الجزيرة العربية ليصل إلى إيران؛ والمسافة الجوية للمسار الأخير توازي ثلاثة أضعاف المسافة عبر أجواء البلدان العربية، ما يخلق صعوبات وعوائق لوجستية كبرى قد تخفف من نسبة نجاح العملية.

قد يكون هدف الحديث اليوم عن فكرة إقامة «ناتو» شرق أوسطي، سواء أقيم هذا الحلف أو بقي حبراً على ورق، توجيه رسالة سياسية ضاغطة على طهران لتخفيف شروطها في المفاوضات النووية والعودة إلى حضن الأمم المتحدة؛ ولكن إذا تكرَّس فشل المفاوضات النووية، فالحلف المقترح يصبح عملية ضرورية لمواجهة الخطر النووي الإيراني.

يُجمع الباحثون في التاريخ العسكري، على أن منطقة الشرق الأوسط الممتدة من مصر إلى تركيا ضمناً، والإمتداد شرقاً حتى إيران ضمناً، هي المنطقة الأكثر تعرَضاً للحروب منذ 3300 عام. وها هي أحداث القرن الأخير تؤكد ذلك. فمتى يدرك قادة هذه المنطقة أن أبطال السلام هم أهم بكثير من أبطال الحروب؛ تطبيقاً للقول المأثور «لا يوجد حربٌ جيدة ولا سلامٌ بشع».

 

وهبي قاطيشه – نداء الوطن