مسيَّرات الخراب.. لا تمنع المستقبل

ما عدنا نعرف مَن نصدّق حول ما يُسمّى المقاومة في لبنان. أنصدّق زعيم ميليشيا حزب الله حسن نصرالله حين يقول إنّهم خلف الدولة ولا يتدخّلون في قرار ترسيم الحدود، وإنّهم وجدوا من الأفضل “النأي بالنفس” عن ملفّ الترسيم؟ هذا كلام قاله نصرالله ونائبه نعيم قاسم حرفيّاً، وكرّره عدد لا يحصى من المعلّقين، ممّن تدور عليهم “تعليمة” الحزب عند الضرورة. أم نصدّق المسيَّرات نفسها التي كان قرار إطلاقها قراراً مستقلّاً عن الدولة ويعرّض البلاد لمخاطر حقيقية كما ورد في البيان الصادر بعد اجتماع وزير الخارجية عبد الله بوحبيب ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي؟

أم عسانا نأخذ السرّ من الكلام العلنيّ لنائب الميليشيا في ما كان يُسمّى البرلمان اللبناني، حسن فضل الله، ونصّه هو التالي:

“المقاومة اليوم ومن موقع القوّة تعتبر نفسها معنيّة بحماية الأرض والشعب والخيرات وباطن الأرض وظاهرها والنفط والغاز وكلّ ثروات لبنان”، ويضيف: “المقاومة عندما بدأت عام 1982 لم تنتظر أحداً، لم تنتظر استراتيجيات عربية، ولا قرارات رسمية، ولم تتوقّف عند الانقسامات السياسية والطائفية والمناطقية، ولم تلتفت إلى بيانات غبّ الطلب من هنا وهناك، بل بقيت في الميدان تقاتل وتقاتل إلى أن تمكّنت من تحرير هذه الأرض، ثمّ حمايتها”؟
مَن نصدّق؟ مَن يقف خلف الدولة أم من لا ينتظر قرارات رسمية؟ أم تُراها هي استراتيجية ميليشيا حزب الله أن تملأ حيّز الكلام بكلّ أنواع الأضاليل والأكاذيب وتختار منها لاحقاً ما يناسب كلّ لحظة سياسية على حدة؟

 

رفيق الحريري… والتوقيت الخاطىء

الثابت أنّ المسيَّرات، في ميزان المصلحة اللبنانية، هي عملية “التوقيت الخاطئ”، كما وصف ذات مرّة الراحل رفيق الحريري عملية لحزب الله في مزارع شبعا في نيسان من عام 2001. جاءت العملية يومذاك ولبنان مشغول بمناقشة تنفيذ مقرّرات مؤتمر “باريس 1” الذي انعقد قبلها بأسابيع وجرى التعهّد في خلاله بعقد “باريس 2” في العام الذي يليه.

ومثلها، تأتي المسيّرات اليوم فيما تهبّ الإشارات الإيجابية من جهة كلّ الأطراف المعنيّة بالترسيم إلى اتّفاقات بين لبنان وإسرائيل، وصفها رئيس الجمهورية ميشال عون بأنّها “ترضي الجميع”، وفي لحظة يحتاج فيها لبنان إلى بارقة أمل اقتصادي، ولو كان “تقريش” ثروتنا الغازيّة المفترَضة يحتاج إلى الكثير من الوقت.

فهل هذا ما يخشاه حزب الله؟ هل يخشى أن تكون بين لبنان وإسرائيل “اتّفاقات وتفاهمات ترضي الجميع”، بدل منطق القوّة الذي يصرّ عليه حزب الله ولو لفظاً وتنافخاً وادّعاء؟

وربّما يخشى حزب الله أيضاً أن يضطرّ لبنان إلى التطبيع أكثر مع إسرائيل، بسبب التداخل المتعرّج بين منطقة الـ860 كيلومتراً مربّعاً التي يطالب بها لبنان و”حقل قانا” جنوب الخط 23، فيُصار حينها إلى وضع خطة لتقاسم الثروة البحرية عبر شركة أجنبية أو عربية تتولّى التنقيب في منطقة متنازَع عليها، وتوزيع العائدات على الطرفين.

لا يريد الحزب اتفاقات سياسية مع إسرائيل تمهّد لاحتمال اتفاقات أخرى أو تفاهمات يتداخل فيها الأمنيّ بالسياسي بالاقتصادي بالماليّ بالتقنيّ. ولا يريد مفاوضات قد تؤدّي إلى “تنقيب مشترَك” أيّاً يكن شكله ومضمونه، بل تفاوضاً من أجل التفاوض يُبقي شعرة معاوية بين لبنان والمجتمع الدولي لا أكثر ولا أقلّ.

بديهيّ أنّ للحزب الحقّ في أن يدافع عن وجهة نظره، وأن يتمسّك بالعداء لإسرائيل، وأن يحمي سرديّته ورؤيته اللتين هما علّتا وجوده السياسي والعسكري والأمني ورافعتا سطوته.. ما ليس من حقّه أن يجعل من موقفه هذا خياراً وحيداً للّبنانيين، وإن كان لا يشاركه فيه أحد، حتى رئيس الجمهورية الذي أذاع وزيره بياناً كان موضع إدانة من حزب الله وإعلامه وأزلامه.

 

اختراع مزارع شبعا

بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، تنفيذاً لوعد انتخابي قطعه حينها المرشّح عن حزب العمل إيهود باراك، لا بسبب عمليّات حزب الله “الضروس”، اخترع حزب الله مزارع شبعا، عبر المدير العامّ للأمن العام يومئذٍ جميل السيّد الذي كان يتولّى رئاسة فريق التفاوض مع الموفد الدولي تيري رود لارسن في شأن انسحاب إسرائيل من تلك المنطقة عام 2000، بتكليف رسمي من الدولة اللبنانية ودعم فوق العادة من رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود.

وبحسب الوقائع التي رواها السيّد أكثر من مرّة، قال لارسن إنّ السوريين لن يوافقوا على تسليم المزارع إلى لبنان، في مقابل إصرار السيّد على أنّ لبنان سيتكفّل “ترتيب الأمر معهم ونيل موافقتهم، وبالتالي لن تكون هناك مشكلة بيننا وبينهم على هذا الصعيد”. أصرّ لارسن على أنّ دمشق لن تتجاوب، وهذا هو الحاصل بعد نحو ربع قرن على “اكتشاف مزارع شبعا” التي كانت وظيفتها، كما وظيفة المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة الموسّعة جدّاً، إبقاء مبرّرات “موضوعيّة” لسلاح ميليشيا إيرانيّة تُقيم في لبنان.

من وجهة نظر حزب الله قد تكون المسيَّرات علامة من علامات السطوة والقوّة، لكنّها في الواقع علامة من علامات استماتة حزب الله لوقف حركة المستقبل. فمنذ الاتفاق الإبراهيميّ دخلت المنطقة العربية بقيادة شجاعة من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، مرحلة جديدة بالكامل عبر اتفاقات مع إسرائيل شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. يضاف إلى ذلك ارتفاع جرعة العلنيّة في الحديث عن العلاقات السعودية الإسرائيلية، والتطوّر النوعيّ في موقف المملكة الذي عبّر عنه وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع مجلّة “ذي آتلانتيك”، وفيه أنّ إسرائيل “حليف محتمَل”.

ولبنان أيضاً جزء من منطقة تتغيّر على مستوى خطوط الطاقة، من خلال ولادة مجال تنسيق حيويّ هو “منتدى غاز شرق المتوسّط” الذي يضمّ للمفارقة فلسطين إلى كلٍّ من مصر والأردن وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا، وتشارك فيه الإمارات بصفة مراقب.
معاندة حزب الله لِما يتغيّر في المنطقة والعالم هي الخيار الأرجح، وقدرته على مصادرة قرار اللبنانيين ومنع أيّ نقاش واقعي حول خياراتهم المستقبلية لا تحتاج إلى أدلّة. بيد أنّ كلّ هذا لا يعدو كونه تأجيلاً لمستقبل سيأتي، ولو بعد خراب عميم، يشهد لبنان مجرّد بداياته الكابوسيّة.

 

 

نديم قطيش – أساس ميديا