ماذا لو غاب الناخب “الأصيل”؟

لعلّ الضارّة النافعة التي يفسح فيها الوضع الراهن “المائع” للأزمة الحكومية التي تبدو مفتوحة على الغارب من دون أي ضمانات لـ”عقلنة” هذا العهد في “آخرته” بالتوقف عن فرض شروطه العقيمة، تتمثل في التبكير ما أمكن في إباحة كل المعطيات القائمة حالياً حول الاستحقاق الرئاسي. حسناً فعل ويفعل البطريرك الماروني في ضربه المتواصل على موجة المطالبة بانتخاب رئيس جديد “إنقاذي” في الشهرين الأولين من المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس لأنه يجسّد في ذلك نبض اللبنانيين الضحايا لأسوأ عهد مرّ في تاريخهم. وحسناً يفعل أيضاً الدكتور سمير جعجع حين يفتتح الكلام الرئاسي كزعامة مسيحية طامحة الى الرئاسة من دون مواربة ولا خبث ولا اختباء وراء اعتبارات عفنة حتى في معرض طرحه الاصطفاف وراء مرشح إنقاذي آخر لا يكون صنيعة أتباع المحور الإيراني – السوري في لبنان مجدّداً.

لقد دخلنا الى “عالم” الاستحقاق الرئاسي بعوامل الواقعية السياسية قبل أي عامل آخر. وهذا أقصى العوامل الطبيعية مع عهد لا يزال حتى الربع الأخير من هزيع الليل المديد الذي فرضه على لبنان مع حلفائه يمعن في التصرّف كأنه بدأ البارحة إن من خلال مناورات اللحظة الأخيرة لاقتناص حكومة انتقالية يكرّس عبرها هيمنة تيّاره الحزبي تحسّباً للآتي الأعظم في ما بعد أفوله وخروجه “المظفر” من بعبدا، وإن من خلال مواقفه الملتبسة المتسمة بازدواجية فاقعة لجهة المضيّ في تغطية ممارسات وسياسات حليفه “حزب الله” الخارقة لكل معايير أحادية الدولة مباشرة أو مواربة. ولكن مداخل الاستحقاق الرئاسي لن تقف عند حدود رصد تموّجات معركة عقيمة لتأليف حكومة جديدة إذ إن الأهم من ذلك أن يخرج الكثيرون ممّن يغرقون في وحول اللعبة الداخلية المفلسة تماماً كإفلاس لبنان المالي والتطلع الى المساحة الأبعد من مربّعات السياسات الداخلية المتهالكة.

المعركة الرئاسية الآتية ستكون بطبيعة الحال صنيعة مزيج من عوامل الكارثة الداخلية والمعطيات الخارجية التي لا يمكن عزل الاستحقاق الرئاسي عنها. هذه المرّة قد يمكننا الجزم بأنه سيصعب كثيراً مطابقة أو مقارنة أو قياس الاستحقاق الآتي بأي من التجارب السابقة في انتخاب 13 رئيساً للجمهورية. غالباً في السياق التاريخي المثبت لانتخاب الرؤساء اللبنانيين غلبت التوافقات أو المصادمات أو التسويات الخارجية لدول مؤثرة في النطاق الإقليمي واللبناني في “انتخاب” خارجي للرؤساء يسبق انتخابهم وتزكيتهم في مجلس النواب اللبناني.

لا يمكن الجزم الآن، عشية اقتراب العدّ العكسي لبدء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الـ14 للجمهورية اللبنانية وما بقي من فتات وبقايا الدولة فيها، بأيّ منحى دولي وخارجي محدّد حيال لبنان لأن الوضع الدولي كما اللبناني يبدو الأكثر فوضوية إطلاقاً حيال أيّ تقديرات رصينة وجدّية غير قابلة للتلاعب والتزوير والتمويه كما يدأب معظم الساسة اللبنانيين ومعهم كثر في الصحافة والإعلام على الترويج لأساطير تخدم توجّهات من يوجّه من هنا وهناك.

نحن أمام فوضى خارجية لن تكون عاملاً مساعداً إطلاقاً لإنجاز الاستحقاق بحد أدنى من الاستقرار، ولا داعي لاصطناع التعفّف السخيف والكاذب بأننا لا نريد تدخلاً خارجياً. لم يُنتخب رئيس لبناني مرة بلا تدخل خارجي سواء أكان لمصلحة لبنان (وهي كانت من المرّات النادرة) أم لغير مصلحته. هذه المرة سنطرح المعادلة المرجّحة سلفاً ولو افتراضاً: ماذا لو أدبر عنّا الخارج؟ تدبّروا أمركم!

 

نبيل بومنصف – النهار