لماذا تكلّم محمّد بن زايد؟

تكلّم الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي، في خطابه الأول كرئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولاذ بالصمت في جدّة في القمّة الخليجية الأميركية التي ضمّت مصر والعراق والأردن أيضاً إليها.

من جهة ترك الأضواء لأخيه وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ليصمّم الخطوات الأخيرة من حصّته في معركة الهيبة الطويلة التي خاضها، وخاضتها الإمارات، في وجه إدارة الرئيس جو بايدن، ورُبحت من دون ذرّة شكّ واحدة. ومن جهة أخرى بعث بلعبة “الكلام والصمت” كلّ الرسائل الضرورية حول رؤية الإمارات لِما تغيّر في العالم، ولن يعود إلى سابق عهده، وحول موقع ودور وسياسة الإمارات في هذا العالم الذي تغيّر.

أهميّة عقل محمد بن زايد أنّه لا تسيطر عليه أيّ أوهام، ولا يتوقّف عند شكليّات السياسة، ولا سيّما حين يستشعر بمزيج من غريزته وخبرته، خلوّ البهرجة ممّا هو عمليّ وفعليّ ومستدام.

في الوقائع الموضوعية، ها هو الرئيس، الذي تأخّر برعونة استثنائية، نحو ثلاثة أسابيع، عن الاتّصال بالإمارات بعد الاعتداءات الحوثية على مطار العاصمة أبوظبي مطلع العام الجاري، صرّح في جدّة أنّه يريد أن يمضي المزيد من الوقت مع الشيخ محمد بن زايد، ووجّه إليه دعوة لزيارة واشنطن!

والرئيس الذي تعهّد كمرشّحٍ بجعل السعودية دولة منبوذة، ثمّ صرّح مراراً كرئيس أنّه لن يلتقي الأمير محمد بن سلمان وأنّ زيارته ليست للسعودية بل جزء من اجتماع أوسع، ما لبث أن عقد إحدى أطول القمم السعودية الأميركية، وكان جلّها بينه وبين وليّ العهد، وتمخّضت عنها 18 اتفاقية استراتيجية تشمل الأمن والعسكر والطاقة والتكنولوجيا والغذاء والاستثمار، واتفاقات بين كبريات شركات القطاع الخاص في البلدين.

انتصارات عربية

هذه انتصارات سياسية أكيدة، للرياض وأبوظبي، وإعلان أميركي على الملأ، أنّ إهمال الخليج والشرق الأوسط عامّة، هو خطأ استراتيجي. لكنّها في الوقت عينه، انتصارات تكشف أنّنا بإزاء إدارة أميركية ضعيفة، ورئيس لا يُعوَّل على أيّ اتفاق معه، وأمام عاصمة أميركية يجرجرها الارتباك وفقدان الرؤية الاستراتيجية حول دورها وقيادتها وقدراتها.

حقيقة الأمر، أنّ كلّ الشكوك التي نمت منذ إدارة الرئيس باراك أوباما، واتّخذت أشكالاً دراماتيكية مع إدارة بايدن، زادت بعد قمّة جدّة ولم تنقص، أو، على نحو أدقّ، تأكّدت أسبابها.

كما أنّ فهم الإمارات للتحوّلات العميقة التي تصيب هندسات النظام الدولي، والأزمات الخطيرة التي تواجه الدور الأميركي القيادي للعالم، إن كان بسبب تحدّيات الاقتصاد والتكنولوجيا أم بسبب صراعات الهويّة داخل المجتمع الأميركي، يفرمل أيّ اندفاعة غير محسوبة للعودة إلى زمن وضع كلّ البيض في سلّة واشنطن.

من هنا أهمية الكلام الإماراتي الذي صدر على لسان رئيس الدولة، والكلام السياسي التفصيليّ الذي جاء لاحقاً على لسان مستشاره الدبلوماسي، الدكتور أنور قرقاش، لا سيّما حول عزم الإمارات إعادة سفيرها إلى طهران.

 

“الدولة” الإماراتية: 29 مرّة

من بين الكلمات الأكثر تكراراً في الخطاب القصير نسبيّاً للشيخ محمد، كلمة “دولة” التي وردت في مواضع مختلفة 29 مرّة، لتكون أكثر الكلمات وروداً فيه، ما يشير إلى حدّة حضور الأولويّة الوطنية في أيّ قرار أو موقف أو تحالف تتّخذه الإمارات، لأنّ ما هو على المحكّ، لا يقلّ عن سلامة الدولة نفسها ووجودها. فلا ضمانات لأيّ دولة، لا سيّما في إقليم باتت علامته الفارقة، انهيار الدول وتشظّي المجتمعات، سوى التمسّك بما يخدم الأولويّة الوطنية، وهو تحدٍّ يكبر بتناسب عكسيّ مع صغر الدولة المعنيّة بهذه الاستراتيجية. فكلّما صغرت الدولة، مساحةً وسكّاناً، باتت حماية الأولويّات الوطنية أكثر تحدّياً.

الأهمّ أنّ الإمارات طرحت نفسها كنموذج لِما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية، بدءاً من العلاقات الإقليمية وصولاً إلى العلاقات الدولية. وكي لا يجرّ التركيز على الأولويّة الوطنية إلى فخّ الشوفينيّة والتقوقع على الذات، أكّد الشيخ محمد على أنّ “سيادة دولة الإمارات وأمنها مبدأ أساسيّ لا يمكن التنازل عنه أو التهاون فيه”، مضيفاً، في الوقت نفسه، أنّ بلاده تمدّ “يد الصداقة إلى كلّ دول المنطقة والعالم التي تشاركنا قيم التعايش والاحترام المتبادل لتحقيق التقدّم والازدهار لنا ولهم”.

هذا الفهم للسيادة من موقع التكامل مع العالم على قاعدة قيم التعايش السلمي والاحترام المتبادل هو نقيض خطابات السيادة العالمثالثيّة الغارقة في نوازع عدائية تغلب عليها المقاربات الأمنيّة والحربية. لكنّه أيضاً نقيض عقل المحاور الدولية التي ميّزت حقبة الحرب الباردة، ونقيض تنظيرات راهنة تحاول إحياء منطق الحرب الباردة اليوم في وجه الصين.

“لا ثقة” بأميركا

استبق هذا الكلام ما سيقوله الرئيس الأميركي لاحقاً في “قمّة جدّة للأمن والتنمية”، من أنّ واشنطن “لن تتخلّى” عن الشرق الأوسط، وأنّها “لن تسمح بوجود فراغ تملؤه الصين أو روسيا أو إيران”. يكشف هذا حجم التباين بين تصوّرات أميركا عمّا تريده من منطقة الخليج وبين ما يراه الخليجيون.

ثمّ جاء كلام الدكتور قرقاش ليضيف بعداً آخر حين كشف أنّ أبوظبي بصدد إرسال سفير إلى طهران مع سعيها إلى إعادة بناء العلاقات معها، مضيفاً أنّ النهج التصادمي مع إيران ليس شيئاً تدعمه أبوظبي. سبق أن سمع مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان من القيادة الإماراتية قبل أشهر أنّه عند أيّ قرار بضرب إيران يستوجب أن تبحث أميركا عن استخدام قواعد غير تلك الموجودة في الإمارات، وأنّه لن يكون بوسعها استخدام الأجواء الإماراتية.

طبعاً لا تثق أبوظبي بإيران، التي تصرّفاتها في المنطقة، كما قال الدكتور قرقاش، “لا تساعد الجهود الدبلوماسية”. لكن منذ أهوال مغامرة إسقاط صدّام حسين عام 2003، خلافاً لكلّ التحذيرات الخليجية، وما تلاها خلال عقدين من الزمن، ما عادت تثق بأميركا، وبمغامراتها، لا سيّما لجهة ضعف عنصر الاستدامة في إدارة أيّ قرار سياسي أو عسكري يعني أمن المنطقة واستقرارها.

كثير ممّا قبل قمّة جدّة مستمرّ بعدها. طبعاً من المفيد تبديد أكثر ما يمكن من مناخات التوتّر العلنيّ مع واشنطن. ولكن من المفيد أيضاً أن لا يفوتنا أنّ العالم تغيّر، وأنّ المصالح وإدارتها في هذا العالم الجديد لا تمرّ حصراً في واشنطن..

هذه أهميّة كلام الشيخ محمد بن زايد في مضمونه وتوقيته في أبوظبي، وأهميّة صمته في جدّة..

 

 

نديم قطيش – أساس ميديا