“كاريش – قانا”: لا حرب بل مزيد من التفاوض

أثار الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله زوبعة داخلية وقليلا من الاهتمام في الخارج، بعدما هدد فيه بشن حرب واستهداف حقل “كاريش” وما بعد “كاريش” وما بعد بعد “كاريش” اذا ما مُنع لبنان من استثمار حقوله الغازية عند نقطة الحدود البحرية الجنوبية. هذا التفاوت بين رد الفعل الداخلي ورد الفعل الخارجي مردّه الى ان عواصم القرار الدولية تعرف ان قرار الحرب في لبنان الذي يمسك به “حزب الله”، عمليا ليس بيد الحزب المشار اليه، ولا بيد امينه العام على رغم موقعه المعنوي المتقدم في هرمية النظام الإيراني بمداه الخارجي. فشنّ حربٍ من لبنان على منشآت الغاز في حقل “كاريش” الإسرائيلي الذي لم يطالب به لبنان أصلا في المفاوضات، والذي لم يصل في الوثائق الرسمية التي قدمها الى الخط 29، اكبر بكثير من قرار تنظيم “حزب الله” انطلاقا من لبنان. انه قرار إيراني، ويستحيل ان يُتخذ لاسباب لبنانية بحتة. اضف الى ذلك ان الحرب في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط حيث حقول الغاز الطبيعي والنفط، التي تتقاسمها خمس دول، وتستثمر فيها شركات متعددة الجنسية ضخمة بينها الأوروبي، والأميركي، وحتى الروسي، تمثل قرارا على جانب كبير من الخطورة، لا سيما ان الإسرائيليين اقروا أخيرا استراتيجية استهداف رأس “الاخطبوط”، وليس الاكتفاء بـ”الاذرع”! من هنا فإن حربا يشنها “حزب الله” لاسباب غير مقنعة، يجري فيها تجاوز الأطر التفاوضية، إضافة الى الجسم الرسمي في لبنان برمّته الذي كان غيابه صارخا، تحمل في طياتها عواقب خطيرة في المنطقة. ويعرف الإيرانيون ان المجازفة بـ”منصة لبنان” التي يحميها “حزب الله” ان حصلت، فإن الأسباب يجب ان تكون جوهرية.

لا يوجد سبب جوهري متعلق بمصالح لبنان خلف كلام السيد نصرالله. انه خطاب من لبنان موجّه لاطراف خارجية في توقيت إقليمي لافت يتصل بجولة الرئيس الأميركي جو بايدن في المنطقة، وتوقيعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد على “اعلان القدس” الذي يعلن صراحة ان الطرفين لن يسمحا لإيران بأن تمتلك السلاح النووي. اضف الى ذلك عجلة التطبيع بين العرب وإسرائيل التي تتحرك بقوة من خلال الزيارة، ولا سيما مع زيارة الرئيس بايدن الى المملكة العربية السعودية، فضلا عن البحث في انشاء اطار لشراكة امنية ودفاعية إقليمية لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها دول المنطقة، لا سيما من الصواريخ البالستية والمسيّرات المفخخة التي تستهدف دولا عدة منذ مدة من الزمن. صحيح ان دول المنطقة العربية تقول انها لا تحبذ شراكات دفاعية ضد دول أخرى، أي ايران، لكن الصحيح أيضا ان هذه الدول تعرف ان مصدر التهديد الوحيد اليوم هو ايران، وسياساتها العدوانية في المنطقة. واذا كان ثمة من يفكر في تعاون امني، وشراكة في المجال الدفاعي، فإن السبب هو سلوك ايران المعروف.

بالعودة الى خطاب السيد نصرالله، انه خطاب لرفع الصوت بوجه التحولات الأخيرة في المنطقة. وهو جزء من عملية تجميع الأوراق بمواجهة الآخرين في الإقليم. انه ليس اعلان حرب، بل محاولة لتحسين وضع ايران في وقت تنقلب المنطقة رأسا على عقب. هذه هي حدود الخطاب الذي قوبل في الخارج بلامبالاة. اما الترسيم فسيبقى في الاطار التفاوضي اقله في المدى المنظور.

 

علي حمادة – النهار