حروب طواحين في الوقت الضائع

في الوقت الضائع تتوالد حرب الطواحين في لبنان. الوقت الضائع الذي نتحدث عنه هو المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الاستحقاق الرئاسي الذي يُفترض ان يتم في مواعيده. بكلام آخر ان يُنتخب رئيس جديد للجمهورية، ويخرج الرئيس الحالي من قصر بعبدا بنهاية ولايته في الحادي والثلاثين من تشرين الأول المقبل. لكن المشكلة ان لبنان على مشارف بلوغ بداية المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد في الأول من أيلول المقبل، من دون حكومة مكتملة الاوصاف، بما يمنع حقيقة ان تقوم حكومة تصريف الاعمال الحالية بعمل جديد على صعيد الإجراءات الإصلاحية المطلوبة من المجتمع الدولي من اجل مساعدة لبنان على الخروج من ازمته المالية والاقتصادية الخانقة. صحيح ان غياب حكومة مكتملة الاوصاف لا يغير في شيء بالنسبة الى ما سيكون عليه الوضع في حال حصول شغور في الموقع الرئاسي. فمجرد التفكير ببقاء الرئيس الحالي في بعبدا بعد انتهاء ولايته، وأيا تكن الظروف او الاعذار، ممنوع على الرئيس ميشال عون ان يغادر القصر الرئاسي، منتصف ليل الحادي والثلاثين من تشرين الأول المقبل، وعدم التفكير بسيناريو مختلف عن المألوف، وذلك بشكل مطلق.

في الاثناء من المؤسف ان لبنان، لا بل الطاقم السياسي الحالي غارق اليوم في حروب الطواحين التي تضر بالبلاد اكثر مما تفيدها. فمطاردات قاضية تعمل ضمن فريق سياسي صاحب مصلحة مؤكدة، لحاكم المصرف المركزي متواصلة بشكل استعراضي. وهي مطاردات اشبه بحرب الطواحين التي لا طائل منها. انها إجراءات وهمية، جلّ ما يسعى اليه من يقف خلف القاضية تسجيل نقاط سياسية للتخفيف من سوء سجل ولايته التي توشك على الانتهاء. واذا كان حاكم المصرف المركزي مذنبا كسائر القوى السياسية التي حكمت البلاد على مدى عقود، فإن الملاحقات “الدونكيشوتية” انتهت الى تكتيل قوى سياسية خلفه لحمايته، ومنع صاحب المصلحة من ان يسجل انتصارا فيها، محاولا ان ينصّب حاكما جديدا قبل خروجه من قصر بعبدا، يكون تابعا له. ان حاكم المصرف المركزي يتحمل مسؤولية أساسية في ما آلت اليه البلاد من سوء حال. لكنه واجهة تركيبة واسعة، لا يمكن استثناء أي طرف وازن في البلاد منها، جارت على البلاد والعباد، ودمرت في الوقت عينه مستقبل ملايين اللبنانيين، من دون ان يرفّ لها جفن. لا بل ان الطامة الكبرى تكمن في لجوء الخارج اليها، مثل فرنسا، لتكليفها إنقاذ لبنان من الزمن الرديء الحالي. اذاً من المهم بمكان ان يقلع أصحاب الحروب الوهمية والاستعراضية عن هذا النوع من السلوك الذي يزيدهم يوما بعد يوم هزالا!

في مكان آخر، لا بد من الإشارة بكلمة سريعة الى موضوع اثاره نواب “تكتل لبنان القوي” العوني، مطالبين بتقسيم بلدية العاصمة بيروت. نحن لا يزعجنا مبدأ اللامركزية الموسعة. والأهم انه لا يزعجنا ان تجري إصلاحات جدية وحقيقية على مستوى بلدية بيروت. وهي في حاجة الى اصلاح حقيقي على جميع المستويات. انما طرح الموضوع بشكل تحريضي، وغرائزي تحت عنوان طائفي، امر سيىء للغاية، لانه سيفتح في مقابل هذا المطلب، مطلب الغاء منصب المحافظ على أسس التوازن الطائفي. فهل هذا هو المطلوب؟ أو هل هذا وقته الآن، ام انه لم تعد هناك حدود للابتذال في العمل السياسي؟

 

علي حمادة – النهار