تكليف ميقاتي يسقط بعد 31 تشرين: من يوقّع مراسيم الحكومة الجديدة؟

لا تتوقّع مصادر واسعة الاطّلاع انفراجات حكومية مع عودة الرئيس نجيب ميقاتي من عطلة العيد مع العائلة في سردينيا حتى في حال اجتماع رئيسَيْ الجمهورية والحكومة مجدّداً. أغلب الظنّ أنّ المراوحة القاتلة لن تجرّ إلّا إلى مزيد من الفوضى وفقدان السيطرة على إدارة الأزمة.

أثارت فكرة “تعطيل” الرئيس المكلّف بحدّ ذاتها وسفره خارج لبنان، وكأنّ البلاد بألف بخير، استفزاز رئيس الجمهورية الذي يحسب، وفق مصادره، “المرحلة الفاصلة عن نهاية ولايته الرئاسية بالدقائق في ظلّ الحاجة الماسّة إلى تشكيل حكومة فوراً بالتزامن مع إعداد الأرضيّة لانتخابات رئاسية يجب أن تحصل في وقتها، وإلّا فستكون الفوضى الممرّ الإجباري نحو الاستحقاق الأهمّ والمفصليّ: معالجة ثغرات الدستور وإقرار نظام جديد فوق ركام النظام الحالي.
أمس عكس النائب جبران باسيل هذا المعطى من خلال تأكيده أنّ “الحكومة لا تُشكَّل بين اليخت والطائرة أو بين اليونان ولندن، بل في قصر بعبدا بين رئيسَيْ الجمهورية والحكومة”، مؤكّداً أنّ “(ميقاتي) لا يريد تشكيل حكومة، واعترف بهذا الأمر أمام جميع الوزراء قبل تكليفه. وهو يفتّش عن فتاوى دستورية لتعويم الحكومة المستقيلة، مبرِّراً ذلك بأنّه “مش حرزانة نعمل حكومة لثلاثة أشهر”.

ثمّة هاجس لدى رئاسة الجمهورية وباسيل بالأهميّة نفسها يرتبط بـ”وجود قرار ضمنيّ بعدم بتّ اقتراحات القوانين الإصلاحية المرتبطة بخطّة التعافي المالي، أي موازنة 2022 والكابيتال كونترول والسرّيّة المصرفية وإعادة هيكلة المصارف”.

ترى بعبدا أنّ هذا القرار يصبّ في إطار استكمال مشروع محاصرة ميشال عون حتى اللحظة الأخيرة عبر القضاء على آخر الفرص لوضع مشروع الإنقاذ على سكّة الحلّ، ومن أهم عناوينه أيضاً عودة النازحين السوريين والدفع باتجاه صدور القرار الظنّيّ في انفجار المرفأ.

في الواقع بقي أمام مجلس النواب أقلّ من شهر ونصف لإقرار هذه القوانين قبل بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية في 31 آب. وفي هذا السياق أتت دعوة الرئيس نبيه برّي أمس لهيئة مكتب مجلس النواب إلى جلسة يوم الإثنين المقبل في عين التينة من أجل إعداد جدول أعمال الجلسة. إذ تنصّ المادّة 75 من الدستور على “أنّ المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يُعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتّب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أيّ عمل آخر”.

يقول مصدر نيابي لـ “أساس” إنّه “لا يتوقّع أن يكون كابيتال كونترول واقتراحات قوانين خطة التعافي الماليّ وإعادة هيكلة المصارف على جدول الأعمال باستثناء اقتراح قانون السرّيّة المصرفية إذا تمكّنّا من إنجازه ضمن الوقت المطلوب”.

حرب التسريبات

لكنّ حرب التسريبات التي اندلعت بين بعبدا والسراي وإقرار النائب آلان عون، المقرّب من رئيس الجمهورية، أنّ “الأمور صعبة والمفاوضات متوقّفة بين الرئيسين عون وميقاتي”، وفتح النقاش على مصراعيه في حدود الصلاحيّات الفعليّة لحكومة تصريف الأعمال في حال العجز عن انتخاب رئيس الجمهورية ضمن المهلة الدستورية، كلّها مؤشّرات تدلّل على عمق الأزمة الدستورية والسياسية واستحالة فكفكة عقدها قبل موعد انتخاب رئيس الجمهورية.

بالتزامن مع السيناريوهات المحتمَلة لتسلّم حكومة تصريف الأعمال مهامّ رئاسة الجمهورية تبرز تساؤلات عن مصير تكليف ميقاتي تشكيل حكومة، وهل يبقى هذا التكليف قائماً أو لا بعد انتخاب الرئيس، عقب فراغ رئاسي قد يطول أو يقصر بحسب المعطيات الداخلية والخارجية.

حقيقة الأمر أنّ الدستور لم يلحظ إطلاقاً حالات مماثلة “شاذّة” سياسياً لجهة الوصول إلى استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية في ظلّ حكومة تصرّف الأعمال ورئيسها نفسه مكلّف تشكيل حكومة وعَجِز عن ذلك بعد فترة من التكليف.

في هذا السياق يقول مرجع دستوري لـ”أساس” إنّ “تسمية رئيس الوزراء تتمّ بناء على استشارات نيابية مُلزِمة يقوم بها رئيس الجمهورية ويتشاور في شأنها مع رئيس مجلس النواب، وهي تعكس رأي الغالبيّة النيابية، ولا سلطة تقرير له فيها”.

نزاع دستوري جديد

يضيف المرجع: “في حال انتخاب رئيس جديد للجمهورية ثمّة من يرى أنّ التكليف يبقى قائماً ما دام مستمدّاً من المجلس النيابي وليس من رئيس الجمهورية، وهناك نظرية أخرى تقول إنّ من غير الجائز أن يستمرّ رئيس مكلّف في ظلّ انتخاب رئيس جمهورية جديد لم تكن له أيّ علاقة بتسميته”.

هو نزاع دستوري لم يتحسّب له أهل التشريع لأنّهم على الأرجح لم يتوقّعوا وقوع البلد فريسة طبقة سياسية مجبولة بهذا القدر من قلّة المسؤولية. يُضاف هذا النزاع إلى إشكالية تتعلّق بدستوريّة ممارسة حكومة تصريف الأعمال صلاحيات رئيس الجمهورية المتوقّع أن تتوسّع رقعتها في المرحلة المقبلة.

أمّا في حال عدم انتخاب رئيس للجمهورية فلن يكون من إمكانية أصلاً لـ”الاستثمار” في تكليف لم يعُد له أيّ معنى. إذ لا وجود لرئيس جمهورية يتشاور الرئيس المكلّف معه في المسوّدات الوزارية، وهو عملياً سيكون أمام مجلس وزراء كلّفه الدستور، “مجتمعاً”، ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية بالمعنى الضيّق.
ستكون سابقة في تاريخ لبنان أن يجد الرئيس المكلّف نفسه أمام فرضيّة التشاور مع وزراء يمثّلون رئيس الجمهورية من أجل تأليف حكومة وتوقيع مراسيمها!!

يُذكر أنّ المادّة 62 تنصّ على أنّه “في حال خلوّ سدّة الرئاسة الأولى لأيّ علّة كانت تُناط صلاحيّات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء”.

وتُعتبر الحكومة، بعد انتخاب رئيس جمهورية، بحكم المستقيلة عملاً بأحكام الفقرة الأولى من المادّة 69 من الدستور، وتُطبّق عليها صفة تصريف الأعمال وفق المادة 64 من الدستور.

 

 

ملاك عقيل – أساس ميديا