باسيل وفرنجيّة: “ماراتون بعبدا” يبدأ من اللقلوق!

أطفأ الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي هاتفه وغادر بيروت إلى الخارج في زيارة خاصة مع عائلته. لم تكن الوجهة المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة. هذا ما كشفه موقع “أساس” سابقاً، بخلاف ما تردّد في الإعلام خلال الأيام الماضية. يرى كثيرون أنّ هذا التفصيل بالغ الأهمية في هذه اللحظة السياسية، وقد يكون مرتبطاً بمآل العلاقة بين ميقاتي والمسؤولين في المملكة.

عمليّاً، شهد تأليف الحكومة حالة “shutdown” كاملة في فترة العيد لا تراعي إطلاقاً حالة الطوارئ غير المُعلَنة بفعل تخطّي الوضع المالي والاجتماعي كلّ الخطوط الحمر.

في مطلق الأحوال، لن يكون لدى “نجيب” العائد من عطلته حلّ سحريّ لمعضلة تشكيل الحكومة، وليس رئيس الجمهورية ميشال عون مستعدّاً لتقديم أيّ تنازل ينزع من يد رئيس تكتّل لبنان القوي جبران باسيل ورقة تثبيت حصّته الوزارية على أبواب استحقاق رئاسي قد يحصل أو “يُطيّر”. الخبر المؤكّد أن لا حكومة، و”الشغل” سيتركّز على تفعيل حكومة تصريف الأعمال “بالتي هي أحسن”.

لن يكون تفصيلاً قول نائب التيار الوطني الحر آلان عون قبل أيام إنّه في حال “عدم رصد مؤشّرات جدّيّة بعد فترة أسبوع في ما يتعلّق بالحكومة فقد يجدر التفكير في الانتقال إلى مرحلة استحقاق رئاسة الجمهورية”.

 

لقاء “رئاسيّ” في اللقلوق

هكذا يرزح التأليف تحت ضغط الشروط المتبادلة والنكايات ونصب الفخاخ، تاركاً لبعض الأحداث أن تأخذ حيّزاً أكبر في دائرة الاهتمام والمتابعة. يدخل في هذا الإطار لقاء الغداء الذي جَمَعَ النائب فريد هيكل الخازن، حليف سليمان فرنجية، بالنائب باسيل في فيلا الأخير في اللقلوق.

يصبّ اللقاء، وفق مصادر ساهمت في الإعداد له منذ فترة، “في سياق تقريب وجهات النظر بين الطرفين في شأن الاستحقاق الرئاسي وملفّات أخرى، مع محاولة لإعادة الأمور إلى طبيعتها بين باسيل وفرنجية”.

تصف المصادر العلاقة راهناً بين الرجلين بأنّها “ليست جيّدة وليست سيّئة”، مؤكّدة أنّ “خلاف فرنجية-باسيل عميق ومزمن، وهذه بداية حلحلته. والأهمّ لا نريد أن يكون ذلك على حساب القوى الأخرى، خصوصاً المسيحية، ويجب أن ينسحب سياق التفاهمات على الجميع”.

حيال ما يتردّد عن حصول اللقاء بإيعاز خارجي، تقول المصادر إنّ “التوافق الداخلي هو أمر أساسي، فحينئذٍ يصعب على أيّ طرف خارجي أن يتجاهله أو يقف بوجهه”.

 

الراعي “يشوّش”

لكنّ موقف البطريرك بشارة الراعي أمس، الذي حدّد فيه مواصفات الرئيس المقبل، كان كفيلاً بالتشويش على الجهود الناشطة لجمع فرنجية وباسيل على كلمة رئاسية واحدة. إذ أعلن رفضه التلاعب بالاستحقاق الرئاسي، ملمّحاً إلى عدم جواز بقاء الاستحقاق رهينة التوافق على مرشّح معيّن، وطالب بـ”انتخاب رئيسٍ متمرِّس سياسيّاً وصاحب خبرة، مُحترم وشجاع ومتجرِّد، رجل دولة حياديّ في نزاهته وملتزم في وطنيّته. ويكون فوق الاصطفافات والمحاور والأحزاب، ولا يشكّل تحدّياً لأحد، ويكون قادراً على ممارسة دور المرجعيّة الوطنيّة والدستوريّة والأخلاقيّة”.

وقال الراعي: “تقتضي الظروف انتخاب هذا الرئيس في بداية المهلة الدستوريّة لا في نهايتها”. باختصار، موقف البطريرك يعني رفض الترشيحات الخارجة من الاصطفافات السياسية التي يمثّلها باسيل وفرنجية، وحصر “الأهليّة” بأسماء قليلة تنطبق عليها هذه المواصفات.

وفق الإحداثيّات الحالية يَصعب فعلاً توقّع رفع كؤوس الشمبانيا مجدّداً في البيّاضة أو بنشعي في استنساخٍ لمشهد معراب قبل ستّ سنوات و”المُشيطَن” اليوم من القوات والتيار.

 

توسّع رقعة التقارب

في مطلق الأحوال، يأتي لقاء باسيل-الخازن بعد مرحلة من الخلاف المستحكِم بين بعبدا وبنشعي استُخدمت خلالها كلّ الأسلحة الثقيلة بما فيها اتّهام الخازن لرئيس الجمهورية في آذار 2010 بـ”مصادرة 35 مليون دولار من المال العامّ”، قائلاً له: “صهرك حرامي”. أمّا باسيل فلم يقصّر في مواجهة خصمه الشمالي.
رُصِدت نقطة التحوّل الأولى في العلاقة الثنائية من خلال الإفطار الرمضاني في نيسان الماضي الذي ضمّ فرنجية وباسيل بدعوة من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وإن تراشق بعده الطرفان بـ”معلومة” من اختلى به نصرالله على انفراد قبل الإفطار أو بعده.

مع ذلك، تحدّث فرنجية بعد اللقاء “عن فتح صفحة جديدة، وإمكانية استتباع اللقاء باجتماعات تنسيقية”. وشهد استحقاق 15 أيار “اعتكافاً” انتخابياً عن إشعال الجبهات، وصولاً إلى الاحتفال المشترك بالخرق “الاستراتيجي” للحليف المشترك وليم طوق في دائرة بشرّي.

بعدئذٍ مرّر باسيل رسالة إيجابية إلى فرنجية في خلال إحيائه “مهرجان الفوز” غداة الانتخابات النيابية، واصفاً فرنجية بـ”الأصيل على الرغم من اختلافنا معه”، في مقابل هجومه الساحق على القوات وبعض الحلفاء. ثمّ تُرجم التقارب من خلال تصويت أعضاء التكتّل الوطني المستقلّ (الخازن وطوني فرنجية وطوق) لإلياس بو صعب المرشّح لنيابة رئاسة المجلس، إضافة إلى لقاء بنشعي بين فرنجية وبو صعب ويوسف سعادة.

يتوقّع مطّلعون توسّع رقعة التقارب بين باسيل وفرنجية في المرحلة المقبلة.

لا طَبَق أهمّ من رئاسة الجمهورية في ظلّ معطيات تفرض نفسها، وأوّلها قناعة رئيس التيار الوطني الحرّ أنّ كلّ ما يمكن أن تبذله سوريا وحزب الله وإيران وقوى غربية وخليجية حليفة من جهود لإيصال سليمان فرنجية إلى بعبدا يمكن أن تُوظّف لكي تصبّ في مصلحته على الرغم من العقوبات الأميركية التي يرى باسيل أنّها سياسية و”تُرفع بالسياسة”.

هذا يعني أنّ احتمال تخلّي باسيل عن فرصة الجلوس على كرسيّ بعبدا لرئيس تيار المردة ليس وارداً حتى الآن. هذا إذا افترضنا أصلاً أنّهما يتقدّمان وحدهما السباق الرئاسي، وهذا واقع غير صحيح.

 

باسيل على “خطّ” الشام

يُرصد في هذا السياق تفعيل باسيل قنوات التواصل مع المسؤولين في سوريا من خلال “سعاة بريد” من قبله، على خلفيّة كسر بعض الدول الخليجية والغربية الجليد مع نظام بشار الأسد.

أكثر من ذلك، انتكست العلاقة خلال الانتخابات النيابية بين باسيل والسوريين بعد وعد سوريّ لباسيل بإنجاح مرشّحين علويَّيْن، وتحديداً المرشّح العلويّ على لائحة التيار الوطني الحر في عكار حيدر عيسى، والمرشّح العلويّ على لائحة عمر حرفوش في طرابلس.

في هذا السياق كانت لافتةً خلال مهرجان الفوز بالانتخابات الذي أقامه التيار إشارة باسيل إلى فوز التيار الوطني الحر بأربعة نوّاب في عكار، وليس ثلاثة كما هو واقع الحال، بعد فوز المرشّح العلويّ أحمد رستم على لائحة البعريني بـ 324 صوتاً فقط، فيما خسر مرشّح التيار حيدر عيسى على الرغم من نيله 3,948 صوتاً تفضيليّاً.
اتّهم باسيل السوريّين بالإيعاز بصبّ الأصوات التفضيلية للمرشّح السنّيّ محمد يحيى على لائحة التيار الذي نال 15,142 صوتاً في مقابل النائب وليد البعريني الذي نال 11,099 صوتاً تفضيلياً، من دون توزيعها بما ينجّح مرشحه حيدر عيسى.

 

ملاك عقيل – أساس ميديا