الحويّك والراعي واستعادة مواجهة زمن الجوع

لا يصيب الرهان على إضعاف موقف البطريركية المارونية، حتى بعدما وصلت الرسالة المرفوضة والمردودة وفق المعنيين باستلامها. ولم يسبق بكركي أن اتخذت ذبذبات كهذه على محمل الخوف، على الرغم من حلوك ظروف تاريخية والدراية بأنّ “في العالم سيكون لكم ضيق”. وتستمدّ مقاربة الصرح ثقتها من محطات متلاحقة غلبت فيها تحديات منها عالمية وصلت حدود مواجهة هول الجوع. ويسبق أن قاد البطريرك الياس الحويّك مقاومة ضدّ المجاعة التي احتلّت البلاد إبّان الحرب العالمية الأولى بمساعدة أمين سرّ البطريركية الخوري بطرس عقل. وقد أصدر البطريرك الحويّك قراراً في 9 كانون الأول عام 1916 طلب خلاله من الكهنة والرهبانيات والمطارنة والأوقاف إطعام الفقراء. وتمنى صياغة تقارير تظهر عدد الذين أُطعموا. ويعتبر هذا التوجيه بمثابة قرار مهمّ أصدره ضدّ الجوع. ويعود إلى الأذهان شعار الخوري عقل “القوت أو الموت” الذي شكّل مع شعار “الخبز مع الحريّة” قاعدة بناء لبنان الكبير. واضطلع عقل بدور في كبح مظاهر القلّة والفقر المدقع في حضّ المغتربين على إرسال المساعدات إلى ذويهم. وكانت المساعدات ترسل بمساعدة من المطران يوسف دريان من مصر إلى جزيرة أرواد ومنها إلى البوار ليلاً. وكان عقل يعتمد أسلوب الاختباء في الجبال والتواصل مع أبناء القرى في سبيل تنظيم وصول المساعدات إلى السكان. ولم تقتصر المعونات على المسيحيين بل شملت الطوائف المتنوعة.

وقد جوبهت الضغوط التي ما لبثت أن تصاعدت على جبل لبنان في ظلّ سيطرة الجراد والتجار المحتكرين، من خلال مساندات عبر اللبنانيين بما شمل المساعدات الخارجية وتقديمات الأديرة. ولم يقتصر تصدّي البطريرك الحويّك للمحاولات التضييقية التي مارسها جمال باشا على تأمين سبل الصمود المجتمعي فحسب، بل شمل مراحل من المواجهة السياسية المتصاعدة. وتلقّفت بكركي محاولات عضو حزب الاتحاد والترقّي تحجيم جماعة البطريرك اللبناني المتجذّر من خلال السيطرة العسكريتاريّة المترافقة مع جفاف مقوّمات العيش. وتمثّل أكثر ما أزعج جمال باشا في الصلاحيات التي يتمتع بها البطريرك، مع الإشارة إلى أنّه كان يعيّن من روما ولا يحتاج إلى فرمان من السلطان. وقد أراد جمال باشا فرض فرمان عثماني على رمز مرتبط بفرنسا، لكنّه لم يستطع الحدّ من عزيمة سكان جبل لبنان على الرغم من كلّ محاولات التضييق.

ويعلَم المطلعون على مقاربة المجمع الدائم لسينودس أساقفة الكنيسة المارونية، أنّ فصول الأزمات المستعادة ليست محصورة بحالة مفاجئة على أثر التعرّض للمطران موسى الحاج. ولا يحصرون السؤال الذي يرسمونه حول كيفية التصدّي لما حصل، بقدر ما يعبّرون عن معطى متعلّق بمواجهة مشروع تغيير النظام اللبناني ليس في بنائه الديموقراطي فحسب، بل في المعنى الوجوديّ المرتبط بدولة لبنان الحديثة وسط الواقع القائم. ولا تملك البطريركية المارونية أداةً عسكرية أو أمنية أو قضائية، لكنها تتسلّح بمواقف مبدئية ترفض الاعتداء على الحريات. وتشير معطيات “النهار” إلى أنّ بكركي لا تزال بانتظار تصحيح الخطأ الحاصل مع المطران الحاج والعمل على معالجة الموضوع وإعادة المساعدات المنتظرة. ويُنتظر ما يمكن أن يترتّب عن مجموعة اتصالات قائمة راهناً، غايتها تصحيح الخلل وتحريك الرمال الراكدة بهدف إعادة المساعدات إلى أصحابها. وتعتبر خطوة استرجاع المساعدات ذات أهمية فعلية كخطوة أولى خارج إطار كلّ الضوضاء التي شهدتها الأيام الماضية. ولا يمكن توقّع طيّ صفحة الإشكال الذي واجهه الحاج قبل استعادة الأموال التي ينتظرها أصحابها. وستكون هناك مقاربة مختلفة في التعامل مع الموضوع، في حال لم تعمل الجهات المسؤولة على إصلاح الوضع في القريب العاجل.

ويرفض مواكبون للمواقف البطريركية في قراءتهم معاني الذرائع التي حاولت تبرير التعرّض للمطران انطلاقاً من مقولة أنّه كان ينقل أموالاً من دولة عدوّة كعذرٍ لا ينطوي على الحالة، في وقت يتمثّل مصدر الأموال التي يحملها من جهات عربية فلسطينية ولبنانية وليس استطراداً من الحكومة الإسرائيلية مثلاً. وتجدر إشارتهم إلى أنّ الأموال مصدرها عائلات عربية، أمّا المشاورات الخاصة بالعمل على ترسيم الحدود البحرية الجنوبية فهي المنطبق عليها فعل التفاوض اللبناني الإسرائيلي. وإذا كان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يدرك جيداً أنّ الدوافع التي أدّت إلى محاولة مضايقة المطران الحاج ترتبط بأسباب مغايرة عن المعلنة، فإنّ مواقف البطريرك الراعي التي يتظهّر أنّها باتت أكثر إزعاجاً للبعض من متلقّيها لن تتبدّل أو تتغيّر. ولم يكن تسليط الضوء على فعل التعرّض للمطران الحاج وإرجاعه إلى فعل العودة إلى أزمنة الاحتلال والولاة في القرون السابقة حين كان الغزاة والمحتلّون يحاولون النيل من دور الكنيسة المارونية في لبنان والشرق، سوى رسالة مضادة وصلت بوضوح إلى كلّ من يراهن على إمكان “إسكات” صاحب نداء “لا تسكتوا”.

 

مجد بو مجاهد – النهار