«الحزب» لا يريد تكرار خطأ النظام السوري!

صار معلوماً أنّ استقدام المطران موسى الحاج للمال والأدوية من عائلات لبنانية في إسرائيل إلى ذويهم في لبنان ليس جديداً، بل هو دأبَ على هذه المهمة منذ الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بلبنان وبعلم المعنيين في الدولة، وكان قد تمّ الاستفهام منه حول مهمته، ولكن السؤال الذي لا إجابة واضحة عليه بعد: لماذا في هذا التوقيت بالذات هناك من قرّر التوقيف للتحقيق ساعات طويلة وافتعال أزمة مع الكنيسة؟

جاء توقيف المطران الحاج في لحظة تصعيدية إقليميا ومحليا: بعد قمتي جدة وطهران، وبعد تهديد السيد حسن نصرالله بالحرب في حال لم يحصل الترسيم قبل نهاية أيلول ومنح الشركات الإذن باستخراج النفط والغاز، وملاقاته من قبل النائب جبران باسيل الذي أكد انّ «ورقة المقاومة هي عنصر قوة للبنان إذا عرفنا كيفيّة استخدامها بهدف ترسيم الحدود واستخراج الموارد وتحصيل الحقوق»، ما يعني تعهّده بالسهر على حفظ ورعاية معادلة التكامل بين المقاومة والدولة لناحية انّ القرار هو للمقاومة ويقتصر دور الدولة على تغطية دور المقاومة، كما تعهّده بأنه ليس بالإمكان فصل المقاومة عن لبنان، ويعني ان سلاح المقاومة تحوّل إلى سلاح أبدي وسرمدي، ويعني ان لا حوار حول استراتيجية دفاعية على غرار الرئيس ميشال عون الذي لم يوجِّه اي دعوة لمنقاشة هذه الاستراتيجية، ويعني تعهّده بتغطية تهديدات المقاومة وحروبها وبأن يكون الضامن لنقل تجربتي الحرس الثوري مع الدولة الإيرانية، وحزب البعث مع الدولة السورية، فيكون «حزب الله» مع الدولة اللبنانية هو النموذج الثالث الذي سيحاول تكريسه وتثبيته.

وفي موازاة الضغط لانتزاع الترسيم كورقة وحيدة بيد «حزب الله» لإدخال العملة الصعبة التي تحولت إلى نادرة وهو بأمسّ الحاجة إليها تجنّباً لسقوط هيكل الدولة وخسارته هذه الورقة التي يُمسك بواسطتها كل البلد، جاء توقيف المطران في لحظة توتير محلية مع السعي المتواصل للعهد لاستبدال حاكم مصرف لبنان في محاولة لتسجيل انتصار مالي بالتوازي مع الحدودي، وهو يعتقد انّ استبدال الحاكم يعزِّز دوره بالورقة النفطية من جهة، ومع المجتمع الدولي وصندوق النقد في ظل مرحلة مالية بامتياز من جهة أخرى، فيكون متحكّماً بالقرار المالي على غرار تَحكُّم حليفه بالقرار الحدودي.

وجاء توقيف المطران في توقيت فراغ حكومي واستبعاد تشكُّل حكومة جديدة قبل نهاية العهد، ومع بدء العد العكسي بالأسابيع للدخول في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية وانتهاء ولاية الرئيس ميشال عون الذي، وعلى رغم تأكيده مغادرته القصر الجمهوري، إلا انّ هناك مسألة ما زالت غير محسومة بموقفه وموقف المحيطين به لجهة رفضه تسليم صلاحيات الرئاسة الأولى لحكومة تصريف أعمال، وكأنه يعدّ لخطوة ما في حال لم تجرِ رياح خلافته كما يشتهي، ما يعني الدخول في فوضى دستورية على وقع عدم استقرار سياسي ومالي.

وجاء توقيف المطران في توقيت تَشديد البطريرك بشارة الراعي على ضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية في مطلع المهلة الدستورية، وتحديده مواصفات الرئيس العتيد البعيدة كل البعد عن النائب باسيل والتي تختلف عن المواصفات التي كان قد حدّدها قبل نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان، فيما يدرك العهد انّ لموقف بكركي من الاستحقاق الرئاسي وقعا معنويا مهمّا في الداخل ولدى عواصم القرار على رغم عدم امتلاكها كتلة نيابية.

وإذا كانت مواقف البطريرك الرئاسية تُزعج العهد، فإن مواقفه السيادية تُزعج «حزب الله» وتحديدا مع إصراره على المؤتمر الدولي والحياد، وخشية الأخير من جهوزية سياسية محلية تتقاطع مع التحولات الإقليمية على غرار العام 2005، خصوصاً مع الصعود السعودي المتواصل وقيادة المملكة لمحور الاستقرار، حيث انّ قمة جدّة أشعرت الحزب للمرة الأولى بوجود تطور نوعي لا بدّ من ان يكون له انعكاساته في لبنان في حال لم يُقدم على فِعل قوة ينسف عبره جسور اي تقاطع مع الخارج، او تعطيل تأثير التحول الخارجي داخلياً.

وفي خِضمّ كل هذه الصورة جاء توقيف المطران الحاج تنفيذا لقرار قضائي من القاضي فادي عقيقي، فيما يستحيل تصديق ان القاضي تجرّأ على توقيف مطران في سابقة تاريخية من دون ان يكون قد أمّن الغطاء السياسي لقراره، كما يستحيل تصديق ان «حزب الله» اتخذ قرار التوقيف من دون التشاور والتنسيق وأخذ موافقة العهد، لأنّ القضية مسيحية بامتياز وسيكون لها تداعياتها داخل البيئة المسيحية وانعكاساتها المباشرة على العهد الذي ستتراوح النظرة إليه بين شراكته في القرار او تغطيته له او غَض نظره عنه، وفي الحالات الثلاث الأمر واحد، ولا يبدِّل استقبال الرئيس عون للمطران الحاج شيئاً في الصورة والوقائع، فيما لو تمّ توقيف المطران قبل الانتخابات النيابية لكان خرجَ تيار العهد برزمة نواب الرافعة الشيعية فقط.

ويندرج توقيف المطران في هذا التوقيت بالذات ضمن احتمالين:

الاحتمال الأول رسالة من «حزب الله» مغزاها انّ النظام السوري أخطأ بتحييد البطريركية المارونية التي شكّلت الحاضنة للقوى والشخصيات السيادية والرافعة للمشروع الاستقلالي ورأس الحربة في مواجهة النظام الأمني اللبناني والسوري المشترك، ولو استهدفها النظام السوري كما استهدف القوى السيادية لكان اشترى بوليصة تأمين استمراره في لبنان إلى أمد طويل، وهذا الخطأ بالذات لن يقع في فخّه الحزب، خصوصاً مع دخول المنطقة في مرحلة تحولات تترافق مع انهيار لبنان والكلام عن مؤتمر دولي، فقرّر توجيه رسالته للبطريركية بأنه لا يخضع لضوابط وسقوف وخطوط حمر، وانّ تحييده البطريركية في مراحل سابقة انتهى إلى غير رجعة.

الاحتمال الثاني رسالة مزدوجة من العهد، شقّها الأول موجّه لـ»حزب الله» بأنه على استعداد لملاقاته في خياره الاستراتيجي بتغطية حربه ضد إسرائيل، وهذا ما فعله عندما تفرّد بتغطية قراره بالحرب، ومفاد هذه الرسالة انّ الحزب لن يجد بديلاً عن «التيار الوطني الحر» في رئاسة الجمهورية، إن لجهة استعداده بملاقاته من دون سقوف واعتبارات، او لناحية حجمه الشعبي والنيابي، وقد اختبر الحزب على مدى ولاية رئاسية كاملة بأنّ العهد لم يوجِّه اي دعوة للحوار حول الاستراتيجية الدفاعية التي لا وجود لها خارج حصر قرار الحرب بالدولة وحدها.

والشق الثاني من الرسالة موجّه إلى البطريركية بأنّ رسالة المواصفات الرئاسية وصلت والردّ عليها كان بتوقيف المطران، وانّ على البطريركية الوقوف على الحياد في الانتخابات الرئاسية في حال كانت ترفض خلافة النائب باسيل للعماد عون.

وفي موازاة سَعي «حزب الله» إلى تحييد بكركي سيادياً، وسعي العهد إلى تحييدها رئاسيا، هناك من يضع توقيف المطران في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول ضد الكنيسة طبعاً من أجل ان تحسب خطواتها ومواقفها جيداً من الآن فصاعدا، والاتجاه الثاني موجّه ضد القوى السيادية من أجل ان تُدرك انّ المواجهة معها من دون سقوف، ومن يستهدف البطريركية لن يتوانى عن استهداف اي فئة او حزب او شخص، والاتجاه الثالث ينمّ عن رسالة اختبار رئاسية لكل من النائب باسيل والنائب السابق سليمان فرنجية، حيث انّ الحزب يريد اختبارات عملية لا فحوصات شفهية، وقد نجح باسيل في اختبار مُلاقاة الحزب في الحرب واستهداف الكنيسة.

وما حصل مع المطران لن يقف عند هذا الحدّ، وهذه جولة في إطار جولات سيخوضها «حزب الله» في المرحلة المقبلة، لأنّ مَن اتخذ هذا القرار الذي لم يتخذه النظام السوري لن يكتفي بهذه الجولة، إنما سيكون له جولات أخرى لن تقف قبل ان يطمئن على استمرار وضعه في منطقة متحرِّكة وواقع متغيِّر في لبنان، ما يعني ان لبنان دخل في مرحلة مواجهة من دون سقوف وضوابط وقد تتحوّل إلى أمنية.

ومن يستهدف البطريركية مرة يستهدفها كل مرة، حيث انّ الضربة الأولى هي الأساس، فإذا نجح باحتواء عاصفة خطوته فيعني انّ الضربة الثانية على الطريق، وهنا بالذات يكمن دور البطريرك والقوى السيادية برفع مستوى المواجهة معه بدءاً من مُعاودة المطران الحاج دوره باستقدام المساعدات من إسرائيل وكأنّ شيئاً لم يحصل، لأنه في حال لم يُعاوِد المطران او اي مطران آخر هذا الدور فيعني ان الحزب ربح الجولة الأولى، وبالتالي الإصرار على هذا الدور ومتابعته يعني خسارة الحزب لهذه الجولة، وكل القصة تبدأ من هنا بالذات باعتبار انّ التراجع يؤدي إلى سلسلة تراجعات والانتصار يؤدي إلى سلسلة انتصارات، مروراً برفع البطريرك المواجهة بالاستحقاق الرئاسي برَفض اي شخصية 8 آذارية في هذا الموقع، وصولاً إلى زيارة ضرورية إلى السعودية والطلب من ولي عهدها تبنّي مطلب اللبنانيين بمؤتمر دولي يشكّل وحده المدخل لوقف تدخلات إيران في الشؤون اللبنانية ونزع سلاح «حزب الله».

 

شارل جبور – الجمهورية