البرنامج النووي الإيراني: مباحثات الدوحة محطة مخيّبة والانفجار يقترب

في أقل من بضع ساعات كان الغموض وفوضى المواقف واضحين لدى التدقيق بين روايتين نقلتهما وكالتا أنباء عالميتان كبيرتان، الأولى “رويترز” والثانية “بلومبرغ”، فضلاً عن مواقف علنية أخرى بشأن مآل مباحثات الدوحة التي أجريت بين إيران والولايات المتحدة الأسبوع الفائت بهدف جسر الهوة بين البلدين حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي للعام 2015). فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي كبير طلب عدم الكشف عن اسمه، لكننا نميل الى الاعتقاد إنه إما مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، أو مسؤول الملف الإيراني في البيت الأبيض، أو رئيس الوفد الأميركي المفاوض الى العاصمة القطرية روب مالي. في كلا الحالتين المصدر موثوق. وقال المسوؤل الأميركي الكبير إن “فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 باتت أسوأ بعد المفاوضات غير المباشرة التي أجريت بين الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، وانتهت من دون إحراز تقدم”.

وأضاف أن “احتمالات التوصل الى اتفاق بعد الدوحة أسوأ مما كانت عليه قبلها وستزداد سوءاً يوماً بعد يوم”. وقال موجهاً حديثه لمراسل “رويترز”: “يمكنك أن تصف مفاوضات الدوحة في أحسن الأحوال بأنها متعثرة، وفي أسوأ الأحوال بأنها رجوع الى الخلف. ولكن في هذه المرحلة فإن التعثر يعني عملياً الرجوع الى الخلف”. وأوضح أن “مطالبهم (الإيرانيين) ومعاودة فتح قضايا سبق تسويتها وطلبات لا علاقة لها بخطة العمل الشاملة المشتركة، كل ذلك يشير لنا الى أن النقاش الحقيقي الذي ينبغي إجراؤه ليس يبن إيران والولايات المتحدة لحل القضايا المتبقية، وإنما بين إيران وإيران لحل القضية الأساسية بشأن ما اذا كانوا مهتمين في عودة متبادلة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة”. وأضاف: “في هذه المرحلة لست متأكداً مما اذا كانوا (أي الإيرانيين) يعرفون ما يريدون. لم يأتوا الى الدوحة بتفاصيل محددة. بعض الأشياء أتوا بها إما كانوا يعرفون أو كان ينبغي لهم أن يعرفوا أنه لا يمكن أن تكون مقبولة منا ومن الأوروبيين”.

بعد ذلك بساعات، نقلت وكالة “بلومبرغ” عن دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن “الجهود الأوروبية لإحياء الاتفاق النووي من المتوقع أن تستأنف في الدوحة بعد الجولة التي سيقوم بها الرئيس الأميركي جو بايدن الى المنطقة منتصف شهر تموز (يوليو)”.

في مكان آخر كان الإيرانيون يصفون محادثات الدوحة بأنها إيجابية، ويقولون إنهم مصممون على مواصلة المفاوضات في الدوحة. فيما كانت مصادر أميركية تصف المفاوضات بأنها مخيبة، وبأن الجولة في الدوحة انتهت. وبالطبع لم يتم الإعلان عن موعد جديد لاستئناف التفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة، أو حتى العودة الى طاولة التفاوض في فيينا التي تجمع الإيرانيين بمجموعة الـ”5+1″ الدولية. كل ذلك في الوقت الذي كان الثلاثي الأوروبي يصدر بياناً عالي النبرة ضد إيران واصفاً برنامجها النووي بأنه “بات الآن أكثر تقدماً من أي وقت مضى”.

كل هذه الروايات متناقضة، وتُشعر المراقب بأن جميع الأطراف تحرق الوقت في انتظار تطور كبير قد يحصل ويغير المعطى الحالي تماماً.

معلوم أن الخلاف التقني الدائر بين الإيرانيين والأميركيين يدور حول نقاط عدة تتعلق من الجانب الإيراني بشكل أساسي بإجراءات التحقق من التزام طهران ببنود الاتفاق النووي بشكل كامل، والخضوع لمراقبة أشد من “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” بسبب الشكوك في أن ايران تمتلك برنامجاً عسكرياً موازياً للبرنامج النووي الحالي. فيما ترفض إيران هذه الشكوك، كما أنها ترفض أن ترحّل الى الخارج أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي بدأت بتشغيلها مؤخراً، فرفعت من نسبة تخصيب اليورانيوم الى أكثر من 60 في المئة. ثمة كميات من اليورانيوم العالية التخصيب التي بدأت تلامس النسب المخصصة للاستخدمات العسكرية ترفض إيران أيضاً أن تخرجها الى دولة ثالثة للاحتفاظ بها. وفي المقابل يعتبر الإيرانيون أن الولايات المتحدة ملزمة بتقديم التزامات واضحة بأنها لن تخرج من الاتفاق في المستقبل كما حصل إبان ولاية الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب. ويفسر السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة الأمر قائلاً إن “إيران طلبت من الولايات المتحدة ضمانات موضوعية يمكن التحقق منها مثل ألّا يتم التراجع عن خطة العمل الشاملة المشتركة مرة أخرى، وألّا تنتهك الولايات المتحدة التزاماتها مجدداً، وألّا يعاد فرض عقوبات تحت ذرائع أو مسميات أخرى”. كل هذا يدل إلى أن التباعد لا يزال كبيراً في المواقف. لا بل إن الإيرانيين يزعمون أن الأميركيين طرحوا مسألة الجانب العسكري للبرنامج النووي مستقبلاً. ومن هنا ازدياد التعقيدات لا سيما أن طهران لا تبدو متحمسة للعودة الى الاتفاق، فضلاً عن أنها ترفض البحث في تمديد فترة “الغروب” أي مواعيد الانتهاء من العمل بالاتفاق النووي بما يحررها تدريجياً من جميع التزاماتها بين عامي 2025 و2030.

العديد من المراقبين المتابعين لمسار التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني يعتبرون أن إيران لا تهتم كثيراً للعودة الى الاتفاق، وأنها في العمق لا تريد العودة إطلاقاً، لأنها تواصل التسريع بالتطبيقات العسكرية للبرنامج النووي، وهدفها الوصول الى صنع قنبلتها النووية التي ستجعل منها الورقة الذهبية وضمانة بقاء النظام لعقود مقبلة. في هذا المجال من الجدير التوقف عند بعض ما أدلى به وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر حول مسألة البرنامج النووي الإيراني الى مجلة “ذي سبكتاتور” الأسبوع الماضي إذ قال: “كنت شديد التشكيك في الاتفاق النووي الأصلي. فقد اعتقدت أن تعهدات إيران سيصعب جداً التأكد منها”. وأضاف: “ليس هناك حقاً بديل عن القضاء على القوة النووية الإيرانية. لا يمكن إرساء سلام في الشرق الأوسط ولدى إيران أسلحة نووية. وقبل حيازة إيران أسلحة نووية ثمة خطر كبير أن تبادر إسرائيل الى عمل استباقي (ضربة)، فإسرائيل لا تستطيع انتظار عوامل توازن الردع، وهي لا تملك غير ضربة واحدة حاسمة. الردع هذا لب الأزمة”. هنا يصل كيسنجر الى استنتاج مفاده أن الحرب قادمة إن لم توقف ايران برنامجها النووي. ويقيننا أن طهران لن توقف البرنامج النووي العسكري لأنها تقترب من هدفها الأسمى: حيازة القنبلة النووية قريباً جداً. فهل سيشهد الشرق الأوسط حرباً هذا الصيف؟

علي حمادة – النهار العربي