الاستحقاق الرئاسي فرصة لتغيير المعادلة السياسية

سلمت جميع القوى السياسية المعنيّة بالاستحقاق الرئاسي بأولويته المطلقة على ما عداه من استحقاقات. فتشكيل الحكومة التي لم يكن أحد يريد أن تتشكل في الأصل لم يعد على جدول الأعمال، لا سيما على جدول أعمال الرئيس المكلف الذي وضع ورقة التكليف في جيبه ومضى يكمل يومياته في السرايا الكبيرة، تارة للمساهمة مع حلفائه غير المنظورين في إنضاج طبخة رئيس التسوية المقبلة، وطوراً لتحريك ما أمكن من ملفات ما يسمّى مطالب “صندوق النقد الدولي” كرفع الدعم عن كل الحاجات الأساسية للمواطن مثل رفع كلفة الخدمات الرسمية تباعاً، من دون تأمين الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية لملايين اللبنانيين الذين تُركوا لحالهم، ليتدبّروا أمرهم، وما من أحد يعترف بالمسؤولية عن أي فعل حاضر أو ماضٍ. بالطبع عين الرئيس المكلف الذي لا يؤلف برضى الجميع، وبتفهّم الخارج أيضاً، على المنصب في العهد المقبل.

في المقابل كان في ودّ رئيس الجمهورية أن تتألف حكومة تمكّنه من استغلال توقيعه على المراسيم، فيحصِّل الحدّ الأقصى من المكاسب ضمن المحاصصة الحكومية، وتلك المتعلقة بسلة تعيينات أو إقالات تنتظر، وأخرى تتعلق بالتموضع السياسي والحكومي إذا جرى تطيير الاستحقاق الرئاسي لسبب أو لآخر. هذا لم يحصل ولن يحصل. لن يحصل رئيس الجمهورية وبطانته على مكاسب في المئة يوم الأخيرة من الولاية. حتى “حزب الله” لن يستطيع أن يفرض أجندة للمئة يوم المقبلة من شأنها أن تحسّن وضعية الرئيس وبطانته التي تعمل ليل نهار بحثاً عن وسائل لتغيير مآل النهاية التي ستكون بخروج الرئيس من قصر بعبدا في الحادي والثلاثين من تشرين الأول المقبل، و ذلك كيفما اتفق الأمر، ولو لم يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية. في النهاية سوف ينصبّ اهتمام فريق رئيس الجمهورية على تنظيم الصفوف بعد انتهاء الولاية، وخصوصاً إذا ما انتخب رئيس جديد غير الوريث وغير المرشح الثاني الذي ينتمي الى فريق “حزب الله”. في هذه الحالة قد يعاني فريق رئيس الجمهورية من تسرّب كبير في الصفوف لكون العديد من نوّابه يتحيّنون الفرصة للقفز من المركب.

في مطلق الأحوال، من المهم أن يدرك اللبنانيون أن الاستحقاق الرئاسي فرصة ثمينة من أجل تعديل موازين المعادلة القائمة في لبنان. فتسوية 2016 السيّئة الذكر، انتهت بكارثة كبيرة، ومحاولة إعادة إنتاجها بأسماء أخرى منتمية حتى العظم الى فريق “حزب الله” قائمة على قدم وساق. والحزب المشار إليه سيخوض معركة من أجل الإبقاء على معادلة استيلائه على رئاسة الجمهورية كما حصل سنة 2016. والضغوط التي تمارس على البطريركية المارونية تحت مسمّيات عدة تهدف الى تعطيل تأثير الكنيسة المارونية في عملية اختيار الرئيس من خلال إدخال البطريرك إضافات على مواصفات الرئيس المقبل. أهمّها أن الرئيس المقبل يجب أن يكون جامعاً. إن أي مرشح ينتمي الى فريق “حزب الله”، حتى لو أفاض في “تمجيد” الحوار بين اللبنانيين سيبقى رئيساً مرتهناً. و في القضايا المفصلية لن يكون محاوراً بل جزءاً من ماكينة تعمل في النهاية تحت عباءة طهران وذراعها في لبنان. لا بدّ من منع استغلال حالة النبذ الجامعة التي يعاني منها فريق رئيس الجمهورية لتعبيد طريق مرشح أو مرشحين من الفريق عينه. هؤلاء يختبئون خلف المعسول من الكلام!

 

علي حمادة – النهار