“الاستثمار” الرئاسي في التهويل!

ليس في تاريخ الاستحقاقات الرئاسية اللبنانية تجربة يمكن الاستناد اليها لمطابقتها بالكثير من ظروفها مع الاستحقاق المقبل . على رغم كل “الجهد” السياسي والمعنوي والتعبوي والإعلامي الراهن لتصوير فريق 8 اذار المقطور برافعته “حزب الله” في موقع متفوق يطل فيه على التحكم الاستباقي لانجاح خياره الرئاسي والامعان في اضعاف جبهات الخصوم غير الموحدين وراء استراتيجية معركة موحدة ، فان ذلك لا يترجم واقعيا اختصار الاستحقاق من الان بهذه الخفة وهذا التبسيط وهذه الألاعيب الدعائية . حتى في سياق الخط البياني الذي صار يهزج فيه انصار “حزب الله” لمقولة السيطرة على رئاسة الجمهورية سيطرة لا مرد لها بعد عهد ميشال عون تتسم هذه الظاهرة بالكثير من روح المفاخرة الفارغة لان ما ينطبق على بعض الشعارات والمعادلات التعبوية “الحربية ” التي تشكل جزءا أساسيا من استراتيجية الحزب “الجماهيرية” غالبا ما يسقط امام وقائع السياسة المعقدة في الداخل ، وهو امر لا يحتاج الى اثبات . لذلك ، بمثل ما يواجه خصوم “حزب الله” او المستقلون المحايدون ، اذا صح انه سيكون من مستقلين في المعركة الرئاسية ، تحديهم الرئيسي في التوحد وراء مرشح يفترض ان يجمع المعايير التغييرية الجوهرية كما يسقط سمة “المرشح الفئوي” لاي اتجاه كان ، يواجه “حزب الله” ما دام أي حزب او فريق من تحالف 8 اذار لا يجرؤ على رفع صوت التمايز عنه تبعات الامعان في شرذمة البلاد ووضعها على صفيح ملتهب متفجر ان هو شاء تحويل الاستحقاق الرئاسي الى “عرض حربي” بفرض خياره الأحادي عبر تحكيم أجواء مماثلة للتهويل باشعال حرب مع إسرائيل .

صدرت إشارات تنفي الربط بين اندفاع الأمين العام ل”حزب الله” الى التهويل باشعال حرب مع اسرائيل وبين الاستعدادات للاستحقاق الرئاسي . ومع ذلك فان الربط يبدو محكما وواقعيا الى درجة يصعب تكذيبها نظرا الى مجمل الظروف والوقائع الإقليمية والداخلية التي جعلت اطلاق نذر “المناخ الحربي” على لسان نصرالله ، بالوكالة عن ايران والاصالة عن نفسه ، تشكل اثباتا اوليا متقدما على اتجاه “حزب الله” بالبعدين اللبناني والإيراني ، الى تسخير مسالة ترسيم الحدود البحرية تسخيرا تاما لتوظيفها في فرض خياره الرئاسي . كما ان كل ما رسمته “قمة جدة للامن والتنمية” وسترسمه من وقائع جديدة بارزة في المنطقة لجهة استنفار الرد الإيراني سيكون الحافز الدافع الإضافي للحزب لمحاولة فرض وقائع سياسية تهويلية في الداخل ينفد منها الى اختصار مجمل هذه الأجواء بفرض خياره الرئاسي .

في ظل هذه الوقائع سيترتب على جميع القوى السياسية الداخلية ان تدرك اولا ان مجريات الاستحقاق الرئاسي لن تدور في معزل عن مناخ إقليمي قد يكون متجها الى احتدام بحيث يجد اللبنانيون انفسهم في معترك حرب الفيلة الساحقة بما لا يحتمل الانصياع الداخلي والاستسلام امام أي محاولة لفرض خيار يناهضه معظم الفئات اللبنانية وهذا معروف ومسلم به . كما ان “حزب الله” الذي لا يتقن سماع الاخرين بفعل تركيبته الاستقوائية بالسلاح سيكون امام معادلة الخيار التسووي مع سائر الاخرين لاختيار رئيس تغييري من خارج اطار الفرض الفئوي او ركوب مغامرة الفرض وتركيب المعادلات والاستقواء بمناخات المواجهة مع إسرائيل وخصوم ايران . ومع ذلك فاننا امام مناخ كيميائي يتفاعل بقوة يستحيل معها على أي طرف الإمساك بزمام فرض خياره . وان أيلول لناظره قريب !

 

نبيل بومنصف – النهار