إيران فوق المتوسط

في أبعاد رسالة «حزب الله» من ارسال المسيرات غير المسلحة، ترابط بين الداخلي والاقليمي. صحيح ان رسالة الحزب وصلت، لكنها رسالة ايرانية عبرت فوق الشاطئ اللبناني، في تكريس لما هو متأكد منه وهو ان ايران تمدّ رجليها على شاطئ المتوسط.

جملة تقاطعات حققتها الرسالة وهي اولاً لرئيس وزراء اسرائيل الجديد يائير ليبيد، وثانياً لوزراء الخارجية العرب أثناء انعقاد مؤتمرهم في بيروت، وهي، بالتوقيع الإيراني، استباق لزيارة بايدن للمنطقة، وإشعار لأوروبا التي باتت تعتبر الغاز الاسرائيلي حاجة استراتيجية في الحرب الروسية على اوكرانيا.

هي اذاً كل هذا، لكنها بالتأكيد ليست رسالة للداخل اللبناني، لان «حزب الله» لا يعتبر أن في الداخل قوى يجب قراءة موقفها قبل ارسال الرسالة، سواء منها الحليفة أو الخصوم.

بالنسبة للحلفاء المعلنين أو المتوارين تحت عناوين تدوير المراحل، لم يكن علمهم المسبق مطروحاً على طاولة الحزب، فهل علم رئيس الجمهورية الذي يفاوض باسم لبنان بخطوة الحزب، واذا علم فعلامَ يفاوض؟ هل علم ووافق، ام ان المسيرات تجاهلته عندما عبرت فوق المتوسط؟ مشكلة الرئيس عون انه لم يعلم، لكن ما يخفف منها انه لم يلزم نفسه في مثل هذه الحالات بأن يوضح او يعترض أو يدلي بموقف، فلا هو استشير كحليف في تدخل «حزب الله» في سوريا، ولا استشير في تدخله في حرب اليمن، ومع ذلك قدم الغطاء الكامل الذي يمليه رد جميل الرئاسة.

لا يُستغرب صمت الرئيس عون وفريقه عن مسيرات تجاوزت دوره كمفاوض، وحولت الوزير الياس بو صعب ساعي بريد ينقل أجواء وردية عن التقدم في المفاوضات، فيما يمسك أصحاب القرار بقرار التفاوض الحقيقي، ويضعون له خريطة طريق لا خروج عنها. الصراخ الرئاسي عبر المقربين والمحرضين لم يوجه الا الى الجيش اللبناني عندما رسم الحد الأقصى من الحقوق البحرية، فاتّهم بالمزايدة وإفشال المفاوضات، فيما عمّ الصمت الآن على وقع الانتقال الى مرحلة تحضير للاشتباك.

اذا كان الرئيس عون قد وقع في مشكلة، فإن الرئيس ميقاتي ألمّت به مصيبة. فأن يكون في موقع رأس السلطة التنفيذية، وتهبط عليه أخبار المسيرات كأي مواطن يشاهد نشرات الأخبار، فهذا يمثل إفراغاً لموقع السلطة التنفيذية من اية سلطة حتى ولو كانت شكلية.

منذ غادر الموفد الاميركي آموس هوكشتاين بيروت التي زارها بناء على طلب المسؤولين اللبنانيين، والتضارب في الموقف الرسمي يأخذ مداه. فبعد التوقع بأن يحول زيارته جولة مكوكية، بأن يحط في تل أبيب ويعود سريعاً الى بيروت، فاجأ هوكشتاين الجميع بأن جمد المفاوضات عملياً، واقتصر نشاطه على عقد اجتماع عبر الفيديو كونفرنس مع مسؤولين اسرائيليين، ثم صدر عن الخارجية الأميركية بيان مقتضب يتحدث عن تقدم في المفاوضات، ولاقى هذا البيان جملة مواقف لبنانية متفائلة وتسريبات عن حصول تقدم في المفاوضات وعن امكانية توقيع اتفاق في ايلول المقبل، ليفاجأ الجميع بأن «حزب الله»، صاحب القرار الأول والأخير، بات في موقع المتقدم على الدولة لا كما تعهد مسبقاً بأن يكون خلفها.

بإرساله المسيرات الثلاث وضع «حزب الله» الفتيل في حالة جهوزية، معطياً لنفسه الحق في اختيار توقيت اشعال الشرارة، وهذا التوقيت ايراني الاهداف، ففي الحسابات الايرانية أن الاستخراج الاسرائيلي للغاز لم يعد مصلحة اسرائيلية خالصة بل تحول حاجة أوروبية وأميركية، ولم يفقد من الاساس صفة الورقة الثمينة التي يمكن استعمالها على طاولة التفاوض حول الملف النووي. ولهذا حرص الامين العام لـ»حزب الله» على تضمين العرض اللبناني الرسمي بند وقف الاستخراج الاسرائيلي للغاز من حقل كاريش، مع علمه بأن هذا البند بات صعب التنفيذ، وحرص ايضاً على وضعه كشرط اساسي في كلمته المتلفزة، والآن يوضح من دون التباس من هو صاحب القرار الحقيقي بالتفاوض.

أسعد بشارة – نداء الوطن