هنيّة… و”فُضْلة” بعبدا

لنفترض أن اللياقات اقتضت أن يستقبل رئيس الجمهورية رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” اسماعيل هنية، فإن اللياقات نفسها كانت توجب على هنيّة العمل بوحي “آتوا البيوت من أبوابها”، فيزور بعبدا أولاً ولا يعتبرها “فُضلَة” جولته وملحقاً لحارة حريك، وهو الأدرى بأن مطار بيروت الذي استُقبل فيه ليس مؤشراً كافياً الى سيادة الدولة اللبنانية ولا الى عبوره الشرعي الى أراضيها.

ما صدر عن محادثات الرئيس عون مع نظيره حاكم غزة – باعتبار ان وضعنا ليس أفضل من “القطاع” بالتأكيد – يجعلنا نعتقد فعلاً أن لا جدول أعمال مفيداً للقاء ولا كلام جديٌّ. فتمنيات هنيّة الصادقة للبنان بالأمن والاستقرار مشكورة، لكن العيب ليس فيه، إذ كان يجب أن يُسأل على الأقل عن قصة “الجبهة الواحدة” التي أكد ترسيخها مع “حزب الله”، ربما لأجل أخذ العلم وإشباع فضول السائلين والمستشارين لا أكثر ولا أقل!

طبيعي أن يهتم هنيّة بوضع فلسطينيي الشتات، وبالتحالف مع “حزب الله” الذي ترعاه ايران، وبعودة علاقات “حماس” مع نظام دمشق بعد سنوات عجاف تلت معارك مخيم اليرموك وانضمام الحركة الى الربيع العربي. إقامته في لبنان لها نكهة مميزة، وهو اختبرها حتماً خلال زياراته المتكررة منذ عامين، ولن يجد لها مُعادلاً في جولته العربية لجذب الدعم لسياساته في غزة. ذلك ان لا مصر ولا المغرب ولا موريتانيا ولا حتى سوريا تضم حليفاً لـ”حماس” يتمتع بكيان سياسي وعسكري وايديولوجي مستقل ويستطيع عقد تحالفات عابرة للحدود وتحريك صواريخ حسب الحاجة الاقليمية وحين يشاء. ولا دولة من تلك الدول تحتوي مخيمات لاجئين هي عملياً غابة من السلاح صار لـ”حماس” فيها حصة الأسد فروعاً ومكاتب وصداقات وعداوات.

يزور هنية “حزب الله” وتجمعات اللاجئين. أما ما تبقى من لقاءات لدى الرؤساء الثلاثة والمفتي دريان وغيرهم فهو ديكور لا لزوم الأساس. وإذا كان هنيّة مهتماً بمستقبل “محور المقاومة” عموماً وتمدد نفوذ “حماس” في المخيمات على حساب “فتح” والفصائل، فإن واجب الدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية خصوصاً تجاوُز معزوفة التأكيد على “رفض التوطين” بالعودة الى السؤال الأهم: ما جدوى سلاح المخيمات وما مردوده على فلسطينيي لبنان الذين يعانون الأمرَّين من تدهور الخدمات والبطالة وضيق مجالات العمل، والى متى يبقى هذا السلاح يُستخدم في اشتباكات داخلية ويحمي الخارجين عن القانون او يؤدي دور أداة اقليمية جاهزة لإطلاق “صواريخ مجهولة” قد تُورط الفلسطينيين ولبنان؟

لا أحد يُعيب على هنيّة تفقده شعبه الفلسطيني في المخيمات، لكن، معيبٌ أن يكرر الخطأ التاريخي لمنظمة التحرير بتعاملها مع لبنان كدولة سائبة يمكن فيها التسلح وعقد تحالفات مع أحزاب. فهو يعلم أن لبنان تحمَّل الكثير و”لا يكَلِّف الله نفساً الا وِسعَها…”.

يا أخ اسماعيل: ثمن “القضية” دفعناه غالياً حرباً أهلية. فرجاءً خفِّف الزيارات.

 

بشارة شربل – نداء الوطن