“من الآخر”… حساب النيّات!

لا بدّ للنواب “التغييريين” من أن يكونوا استوعبوا تماماً دلالات الضجيج المتصاعد غداة الجلسة الأولى لمجلس النواب المنتخب وما أفضت اليه من نتائج مخيّبة لجهة إعادة تقديم الهدايا الطوعية الى “حزب الله” بتمكينه من الاضطلاع مجدّداً بدور القاطرة لتحالف 8 آذار. ولا بدّ لهؤلاء النواب من أن يكونوا أدركوا أن استعراضاً أمام العدسات الشرهة، ولو مستحباً في كسر النظم الخشبية، لا يستقيم مع لاعبين سياسيين محترفين ومدمني حروب إلغاء مثل القوى التي استعادت الهيمنة على المشهد الأول للبرلمان المنتخب وشلّت أكثرية انتخبها اللبنانيون على أمل الخلاص من سطوة “الممانعين” وعهدهم المشؤوم. بذلك، لا نجد معنى بعد للوعظ والتحذير وإسباغ الدروس والاجتهادات على مجموعة نفترض استناداً الى السير الذاتية والتجارب المهنية التي تعرّف عن معظم أعضائها بأنهم ليسوا في حاجة الى إدراك القاعدة الذهبية التي تقول بأن تكرار الخطأ عينه في موقع قاتل يوازي اليأس من التغيير في صاحب شعار التغيير أولاً.

وتبعاً لذلك سيكون الأفضل تماماً الذهاب الى آخر الخلاصات ممّا جرى في الجلسة الأولى للبرلمان وما تطلّ عليه التحدّيات الطالعة في الأيام المقبلة إن في استكمال انتخاب اللجان النيابية أو في الاستحقاق الحكومي أو على صعيد بلورة الصورة الثابتة الحاسمة لآلية الصراع السياسي داخل المجلس للسنوات الأربع المقبلة إن لم يأت طارئ يطيحه!

“من الآخر”، لن يبقى أيّ انزلاق جديد نحو التمسّك بتعنّت التمايز بين الكتل والمجموعات النيابية المكوّنة للأكثرية المنتخبة الجديدة بحجة أن ممثلي الثورة التغييرية يتمايزون عن نوّاب الأحزاب التقليدية السيادية، في إطار “السذاجة” السياسية وقلة الخبرة، بل سيندرج حكماً في إطار الانزلاق العمدي القصدي الى محور الأقلية الحالية – الأكثرية السابقة التي يقودها “حزب الله”، ولن يكون ممكناً إقناع أحد بأيّ تبرير مهما كان خلافاً لهذا التفسير.

و”من الآخر” أيضاً، ثبت أن التغيير المنشود المعوّل به على نواب هلل الناس لوصولهم كنخبة إصلاحية تتباهى بسلوكيات شخصية ومبدئية متمايزة عن التقليديين، بات بعد أقل من أسابيع ثلاثة فقط من الانتخابات أبعد بكثير ممّا كان عليه يوم الانتخابات نفسه لسبب لا مردّ لنفيه. ذلك أن تمكين المحور السلطوي المرتبط بمنظومة العهد والثنائي الشيعي وأحزاب وشخصيات ترتبط استراتيجياً ومالياً وعقائدياً بالنظامين الإيراني والسوري من تحقيق الاختراق النيابي المخيّب في انتخابات رئاسة المجلس ليس سوى مؤشر خطورة عالية على إمكان سقوط مبكر للرهان على أن الانتخابات حملت بشائر الانفراج وطلائع الخلاص فيما العكس هو الصحيح.

ثم إنه، حتى ثبوت العكس عند أول مناسبة أو محطة أو استحقاق جديد، لم تكن الحصيلة المخيّبة للجلسة البرلمانية الأولى سوى تأكيد للمؤكد بأن الاستهانة بأرضية الصراع الأساسية المتصلة بالمسألة السيادية لن تبقي من الاتجاهات الإصلاحية سوى الكلام الإنشائي الفارغ من أيّ مضمون، وها هم “الممانعون” يسلطون ألسنتهم وشماتتهم وإعلامهم ونشوة السطوة لديهم على كل سيادي وإصلاحي وتغييري ولا يقيمون وزناً لمعايير التغيير ولا لدلالات العدالة ولا لكلّ القيم التي رفع النواب التغييريون شعاراتها المحقة والمبدئية من أول الدرب، وهذا أفضل ما طبع انطلاقتهم بلا شك.

غداً سيحلّ استحقاق آخر وتليه استحقاقات متعاقبة في ما بقي من هذه السنة المفصلية. “من الآخر”، لن يحتمل لبنان سقطات أخرى، ولن نسأل عن الاستعراضات الساذجة حينها بل عن النيّات الدفينة!

 

نبيل بومنصف – النهار