مشاركة “القوات” حكوميّاً: آراء متضاربة

في السيناريو الاسوأ للمرحلة المقبلة ان يصار الى تكرار تجربة 2014 لجهة حصول فراغ رئاسي يدوم سنة او اكثر او سنتين ونصف السنة كما حصل حتى وصل العماد ميشال عون الى السلطة. ثمة عائق مهم في رأي ديبلوماسيين ان تكون لدى اي فريق القدرة على الذهاب في هذا السيناريو الى الاخير والذي باتت تجربة العراق تندرج تحت سقفه ايضا بمنع تأليف حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد نتيجة انتخابات غير مرضية للميليشيات الموالية لايران هناك . هذا العائق يتمثل منطقيا في المزيد من الانهيار الذي لن يكون في قدرة اي من الافرقاء السياسيين بمن فيهم ” حزب الله” تحمله. ولكن هذا السيناريو لا يستبعد من بين الاحتمالات لا سيما في ظل ما يمكن ان يسفر عنه اما تعطل المجلس النيابي بحكم تحوله هيئة ناخبة بحيث سيكون كذلك لمدة طويلة او في ظل ملامح الانقسام التي بدت والتي تهدد بعدم قدرته على انجاز اي شيء لا سيما ان التباعد الذي برز قبل الانتخابات وخلالها يعوق امكان تكوين جبهة معارضة موحدة . فهذه النقطة يتم العمل عليها من جهات عدة ولكن الاستحقاقات اللبنانية داهمة ولا تمنح وقتا كافيا لتضميد الجروح ومعالجتها .

ولكن كل الاعتبارات المعروفة تحتم ضرورة تأليف حكومة يود كثر الا تكون الاحزاب والقوى التي انتخبت او اعيد انتخابها بعيدا منها، اذا كان من مجال لتأليف حكومة قبل الانتخابات الرئاسية، وهذا مستبعد بدوره . ولكن اذا كانت مصلحة ما للسلطة القائمة بتأليف حكومة للحلول مكان فراغ رئاسي طويل ، فان هذا الامر اكثر ما يصب في خانة القوى المعارضة ولا سيما في خانة حزب “القوات اللبنانية” الذي يواصل خطابا منسجما مع شعاراته ومنطقه اللذين اطلقهما منذ ما قبل انتفاضة ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩. فالاحتمالات المتاحة هي اما جبهة معارضة قوية في تنسيق وتعاون مع الحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب اللبنانية وسائر القوى الأخرى بما يجعل صعبا على الثنائي الشيعي والتيار العوني الاستحواذ على حكومة تدير البلد وتتحمل مسؤولية ما سيحصل باعتبار ان ايا من دول الخارج لن تهتم بلبنان عندئذ وسيفقد اللبنانيون كذلك الثقة ما سيستتبع تداعيات كبيرة ، وهذه ورقة قوية جدا يمكن استخدامها ، او الدخول بقوة في حكومة تمنع الاستحواذ من هذا الفريق على القرار اللبناني.

وثمة منطق مفهوم في موقف حزب “القوات” وسواها وان بنسبة اقل في عدم منح احزاب السلطة الراهنة غطاء داخليا او خارجيا للاستمرار في الادارة السياسية نفسها. لكن في المقابل ثمة اعتبار يقوم على ان اللبنانيين ذهبوا الى الانتخابات النيابية رغبة في التغيير وهم منحوا “القوات” وسواها نسبة عالية تفوق ما حصل عليه خصومها السياسيين. وتحتاج هذه الثقة المتزايدة من اللبنانيين الذين انتخبوا على الاقل فيما فرح الاخرون غير الواثقين بامكان التغيير الى تسييل لها في الاستحقاقات المقبلة لجهة وضع حدود على الاقل للتمادي في ادارة البلد وفق ما كان يجري سابقا. فاذا تعطل مجلس النواب لابسط سبب وهو تحوله هيئة ناخبة مثلا لسنتين او اذا تألفت حكومة من اجل ملء الفراغ الرئاسي الذي يحتمل ان يكون طويلا ، فان القدرة على التغيير عملانيا ستكون محدودة جدا .

تحتاج الحكومة المقبلة اذا كانت ستتألف لمواكبة كل هذه الاحتمالات الى ثقل يمنعها من اتخاذ قرارات تستبيح البلد اكثر. اذ ثمة ضرورة للكتلة الكبيرة التي تفوق كتلة التيار العوني، ما يمنح حزب “القوات” قدرة اكبر على انتزاع بعض الوزارات التي يهيمن عليها هذا الاخير كوزارة الطاقة مثلا لانهاء معاناة اللبنانيين وابتزازهم وافراغ خزينة الدولة ، او وزارة الخارجية بما يعيد التوازن الى سياسة لبنان الخارجية على سبيل المثال لا الحصر . وابقاء القديم على قدمه في رهان على اهتراء البلد بين ايدي هؤلاء وتحميلهم مسؤولية ذلك له تداعيات على البلد كما على الاحزاب التي علقت عليها امال التغيير كذلك . فهناك مصلحة لخصوم “القوات” في استبعادها قدر الامكان عن القرار كما حصل في انتخابات المجلس النيابي، بما يحتم ضرورة عدم تقديم هدية لهؤلاء بالمراقبة والمعارضة من خارج فقط بعيدا من محاولة انتزاع بعض القرار ان لم يكن كله من ايدي هؤلاء تحت طائل امرين اساسيين : اعتماد الشفافية المطلقة في اطلاع الرأي العام على حيثيات كل القرارات التي يتم التداول فيها على طاولة الحكومة او مجلس النواب، والاستقالة من الحكومة عند اي اخلال يقع ايا تكن طبيعته لا سيما ان التوافق على برنامج حكومي انقاذي للبلد سيكون هو الاساس فيما ان كل المسائل السياسية ستكون تحت المجهر ويمكن دوما اعلان رفضها بما يكشفها ويجول دون تنفيذها .

وليس من شك لدى كل المتابعين الديبلوماسيين للشأن الداخلي ان هناك رصدا دقيقا لكل هذه الاعتبارات لدى الاحزاب والقوى التي فازت في الانتخابات، فيما سجل البعض من هؤلاء ضرورة ان تدرس هذه الاحزاب والقوى جيدا كل الاحتمالات في المرحلة المقبلة . اذ هناك اخطاء كثيرة ارتكبت في المرحلة السابقة وتم تحييد تحميل المسؤوليات في شأنها في اتجاه الاخرين بنجاح كبير ، ولكن الوضع حساس ويتم التعويل على قرارات مسؤولة ومدروسة تطوع بعض الشعارات ولا تبقى اسيرة لها ما لم تكن البدائل قوية يخشى انها ليست متاحة اقله في المدى القصير المطلوب لها . ويخشى ان البقاء في موقع الاعتراض والرفض او في موقع الدفاع كذلك التي يدفع اهل السلطة الاخرين اليه سيكون مشكلة لان نتائج الانتخابات فقدت بعض الزخم في اداء مربك للمعارضة في انتخابات المجلس ومن غير المستبعد ان يستكمل ذلك الارباك في الاستحقاقات المقبلة بما يفرغ كل نتائج الانتخابات من معناها .

اما اذا كان تأليف حكومة قبل الانتخابات الرئاسية مستحيلا وفق ما يرجح، فان معركة الحكومة المقبلة مؤجل في انتظار ان تنجح الضغوط الدولية في تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية في الموعد المحدد ، اذا نجحت. وهذا تحد على مستويات اخرى.

 

روزانا بومنصف – النهار