لبنان وسريلانكا وجهان لمأساة واحدة

يبدو لبنان وسريلانكا وكأنّهما وجهان لحالة انهياريّة واحدة. التماثل ليس في الأسباب والنتائج فقط، إنّما في مسؤوليّة القيادات.

فإذا كان لبنان يدور في أزمته حول الرئيس وصهره، فإنّ سريلانكا تدور في أزمتها حول الرئيس وشقيقه. فالصهر هنا، والشقيق هناك، يتمتّعان بصلاحيّات غير دستورية واسعة. والرئيسان هنا وهناك متّهمان بتجاوز الدستور ومعادلات الوفاق الوطني.

كانت سريلانكا حتى عام 2019 تملك احتياطيّاً من النقد الصعب في البنك المركزي تُقدّر قيمته بحوالي 9 مليارات دولار. الآن لم يبقَ من الاحتياطي سوى 5 ملايين دولار. ولذلك أعلنت الدولة عجزها عن تسديد ديونها، فأعلن المجتمع الدولي بمؤسّساته إفلاسها. وهو ما حدث في لبنان، عندما اضطرّ رئيس الحكومة السابق الدكتور حسان دياب أن يعلن العجز عن تسديد ديون لبنان، فكان الانهيار، ثمّ كان إعلان الإفلاس.
تعيش سريلانكا، كما يعيش لبنان، في الظلمة. لا كهرباء 13 ساعة على الأقلّ في اليوم. لا محروقات، وارتفاع سريع وصاروخي في أسعار الموادّ الغذائية على الصورة التي يعيشها اللبنانيون أيضاً.

وكما عانى لبنان، كذلك عانت سريلانكا من حرب أهليّة استمرّت 26 عاماً لعب رئيس البلاد غوتابايا راجاباكسا دوراً في طيّ صفحتها. وفي لبنان ما طوى الرئيس ميشال عون صفحة الحرب الداخلية إلا بعدما وصل إلى الرئاسة. لذلك بقيت الآمال العريضة معلّقةً على الجنرال عون في لبنان وعلى الجنرال راجاباكسا في سريلانكا. استعان الأوّل بصهره الأصغر جبران باسيل، واستعان الثاني بشقيقه الأكبر “ماهندا”. ومن جرّاء ذلك تحوّلت الدولة هنا، كما تحوّلت الدولة هناك، إلى مزرعة عائلية في تشكيل الحكومات المحليّة، كما في عقد الصفقات الماليّة، ولا سيّما في الطاقة والكهرباء، التي ترتفع حولها علامات استفهام كبيرة.

 

اجتياح القلق.. الثورة

اجتاح الرأيَ العامَّ في سريلانكا (الدولة السياحية الصغيرة في جنوب الهند) القلقُ على المستقبل والمصير، فقامت حركات احتجاجيّة ملأت شوارع وساحات العاصمة كولومبو لأسابيع عديدة حتى سقط الرئيس وشقيقه. كذلك اجتاح الرأي العام في لبنان (الدولة السياحية الصغيرة الواقعة في غرب سوريا وشمال إسرائيل) القلق على المستقبل والمصير، فقامت حركات احتجاجية ملأت الشوارع والساحات لأسابيع، بل ولأشهر عديدة. ولكن لا الرئيس سقط أو تأثّر، ولا صهره تراجع أو اعترف بخطأ ارتكبه، بل أُعيد انتخابه على رأس كتلة نيابية جديدة. وهذه ظاهرة من أعاجيب وأسرار السياسة في لبنان.

أعطى الرئيس السريلانكيّ شقيقه صلاحيّات مطلقة لاختيار الوزراء وتعيين كبار الموظّفين في إدارات الدولة. وهي الصلاحيّات التي يتمتّع بها صهر الرئيس في لبنان، والتي مارسها بتفوّق طوال السنوات الخمس الأخيرة.. وحتى اليوم.

حصل أو تمكّن الرئيس السريلانكي وشقيقه من الحصول على أكثريّة الثلثين في مجلس النواب، فما أدّى ذلك إلا إلى المزيد من التدهور والانهيار.. وهو ما حصل في لبنان أيضاً.

الآن وصلت قيمة الدين الخارجي لسريلانكا إلى 44 في المئة من الدخل القومي. غير أنّ لبنان يسبقها في ذلك. فالنسبة تجاوزت الدخل القومي بأضعاف مضاعفة. ونتيجة لذلك هبط مستوى المعيشة هنا وهناك إلى معدّلات لا سابق لها لا في تاريخ سريلانكا ولا في تاريخ لبنان.

ومع هذا الانهيار المتماثل، لا يملك أيٌّ منهما ما يجيب به البنك الدولي عندما طالب هذا الأخير بتحسين الجباية لرفع مستوى دخل الدولة باعتباره شرطاً مسبقاً لتقديم قروض للمساعدة. ذلك أنّ السؤال هو: تحسين الجباية ممّن؟ وقد سجّل التضخّم أرقاماً قياسية لا قدرة للمواطن اللبناني أو السريلانكي على تحمّلها؟

هكذا تحوّلت الانتفاضة في سريلانكا ضدّ الرئيس وشقيقه إلى حركة سياسية أطاحت بالاثنين معاً. أمّا في لبنان فعلى الرغم من كلّ ما حدث، فإنّ الرئيس وصهره باقيان معاً حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

لعب عاملان أساسيان في التدمير بمعزل عن الرئيس وصهره في لبنان، وعن الرئيس وشقيقه في سريلانكا. العامل الأوّل هو انتشار وباء كورونا الذي أقفل أبواب السياحة التي يعيش على عائداتها كلّ من البلدين. ففي سريلانكا انخفض عدد السيّاح من 244 ألفاً شهرياً إلى 38 ألفاً فقط. ومع هذا الانخفاض خسرت البلاد دخلها من العملة الصعبة.

 

الكارثة المالية.. والحلّ “بالأصدقاء”

في لبنان حلّت الكارثة الماليّة ذاتها، لكنّه أضاف إليها لمسته الخاصة المتمثّلة بتهريب المليارات من الدولارات إلى الخارج، وفي الإساءة إلى الدول الشقيقة التي يُعتبر أهلها روّاد السياحة في لبنان ومصدراً أساسيّاً للعملة الصعبة التي يحصل عليها. حتى إنّهم عمدوا إلى بيع ممتلكاتهم في المصايف والمنتجعات بأبخس الأثمان للتخلّص منها، بعدما فقدوا الثقة والأمل في عودة الاستقرار إلى لبنان، وفي إصلاح ذات البين مع دولهم.

أمّا العامل الثاني فهو اندلاع الحرب في أوكرانيا وتوقّف صادرات القمح والحبوب عن الوصول إلى دول عديدة، مثل لبنان وسريلانكا، تعيش على هذه الصادرات. وإذا كان العديد من الدول المتضرّرة قد وجد مصادر أخرى بما لديه من عملات صعبة، فلا لبنان ولا سريلانكا قادرين على البحث عن هذا البديل لافتقار كلّ منهما إلى العملة الصعبة.

من هنا توجّهت سريلانكا إلى جارتها الهند تطلب المساعدة، علماً بأنّ الهند لم تكن على وفاق سياسي معها، ولا تملك، وهي التي يبلغ تعداد سكّانها 1.5 مليار إنسان، من احتياطي الموادّ الغذائية ما يمكّنها من تقديم المساعدة.

من هنا أيضاً لا يستطيع لبنان، الذي يحتاج إلى المساعدة، أن يطلبها من جارته سورية التي تحتاج هي نفسها إلى المساعدة بعد سنوات الحرب الأهلية الطويلة التي دمّرت جزءاً كبيراً من بنيتها الزراعية.

في 12 نيسان الماضي استسلمت سريلانكا للأمر الواقع وأعلنت رسميّاً عجزها عن الدفع.. والإفلاس. ولكنّها تعتمد الآن على ثلاثة مصادر لإعادة التوازن الذي فقدته. وهذه المصادر هي: الهند والصين والبنك الدولي.
كذلك لبنان، الذي سبق سريلانكا بإعلان الإفلاس، يتطلّع إلى ثلاثة مصادر لاسترجاع توازنه، وهي: المملكة العربية السعودية مع دول مجلس التعاون الخليجي، فرنسا، والبنك الدولي. غير أنّ التجاوب مع كلّ من سريلانكا ولبنان يتوقّف على قدرة كلّ منهما على احترام التعهّدات التي التزم بها لتحقيق إصلاحات جذرية تضع حدّاً للفساد والسرقة، وتفتح المجال أمام التعاون مع أصحاب الأيدي النظيفة في إطار نظام سياسي وماليّ جديد.

وهذا ما لن يحدث في المدى المتوسط على الأقل..

 

محمد السماك -أساس ميديا