قانا – كاريش: الكرة في ملعب الإسرائيليين

غادر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين لبنان حاملاً الاقتراح اللبناني العقلاني الذي اتفق عليه الرؤساء الثلاثة، ويقضي بمطالبة لبنان بالخط ٢٣ مع تعديلات تدخل كامل حقل قانا ضمن نطاق الحدود اللبنانية البحرية. إنه اقتراح معقول ووسطي في مواجهة الاقتراح الأميركي الذي كان يقترح في الأساس الخط ٢٣ مع تقاسم حقل قانا مع إسرائيل. وفي ظل الصعوبة الحالية أمام لبنان في التعاون في مجال الطاقة مع إسرائيل، ليس لأن الأمر لن يحصل يوماً، بل بمقدار ما يتعلق الأمر بواقع لبنان الحالي المحكوم عليه راهناً بأن يكون منصّة إيرانية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرة “حزب الله”، لذا من الأفضل لكلا الجانبين أن تكون الحقول منفصلة، لأن التقاسم إن حصل فسيبقى نظرياً، ولن يكون في مقدور أيّ من الطرفين الاستفادة من حقل مشترك، ولا سيما أن ثمة نزاعاً حدودياً على الأرض بين لبنان وإسرائيل، يتمثل بمزارع شبعا التي تحتاج الى جهد مثلث الأضلع لبناني – سوري – إسرائيلي لحلّ القضيّة على قاعدة حسم لبنانية المزارع من خلال إبراز السلطات السورية ما تملكه من وثائق، ثم ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا من أجل تكوين ملفّ قوي يتم إيداعه في الأمم المتحدة للتفاوض بشأن الانسحاب منه.

ذهب الوسيط الأميركي حاملاً المقترح اللبناني. نتوقع أن تقدّم إسرائيل مقترحاً مضاداً للتفاوض. لكن من المهم بمكان أن ينزع فتيل أي نزاع على الحدود البحرية بين البلدين، ولا سيما أن الأمر يمكن أن يُستغلّ لأهداف أخرى لا علاقة لها بالمصالح اللبنانية التي يجب أن تتركز على تحصيل أقصى ما يمكن من مكاسب جنوباً، ثم التوجّه صوب الشمال، لحماية الحدود البحرية مع سوريا التي تقوم السلطات السورية بمعرفة الشريك الروسي بانتهاكها من دون أن يرفع أي مسوؤل لبناني الصوت لوقف التعدّيات في منطقة لا تقل أهمّية عن المناطق الجنوبية الغنية بالغاز الطبيعي.

إن من واجبات السلطات اللبنانية على أرفع مستوى وضع المصالح السياسية الضيقة المتصلة بلعبة السلطة الداخلية جانباً، ورفع الصوت لمنع تمادي دمشق في التنقيب خلف الحدود البحرية اللبنانية.

بالعودة الى الحدود البحرية الجنوبية يمكن القول إن للإسرائيليين مصلحة كبيرة في أن يكون حقل كاريش الغنيّ بالغاز الطبيعي بعيداً عن أي نزاع حدودي مع لبنان حيث لا دولة تمتلك السيادة على أراضيها، ولا تملك قرارها السيادي بالحرب والسلم. مصلحة الإسرائيليين الذين وقّعوا قبل يومين اتفاقاً مع مصر يقضي بتوريد الغاز الإسرائيلي الى مصر ليعاد تصديره الى أوروبا تعويضاً عن الغاز الروسي بسبب تراجع إمداداته نحو أوروبا نتيجة الحرب في أوكرانيا، تقضي بالتحرّر من أيّ نزاعات حدودية مع لبنان، خصوصاً في البحر حيث حقول الغاز الغنية التي يمكن لإسرائيل استغلالها بسلاسة إذا ما توصّلت الى اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع لبنان، بما يراعي الحد المعقول من الحقوق اللبنانية. ويقيننا أن المقترح اللبناني متوازن، ومعقول ومفيد لكلا الطرفين على الرغم من وجود أصوات مزايدة في لبنان تطالب بالخط ٢٩، ربما لأنها تخدم في مكان ما هدف إرساء حالة من ربط النزاع بين البلدين على غرار ما حصل عام ٢٠٠٠ بالنسبة الى مزارع شبعا إثر الانسحاب الإسرائيلي. إن الكرة الآن في ملعب الإسرائيليين. فهل يكونون عمليين؟

 

علي حمادة – النهار