ربح “الحزب” جولة ماذا عن الغد؟

كشفت انتخابات رئاسة مجلس النواب يوم الثلثاء الفائت أن الأكثرية النيابية التي لا تنضوي تحت “عباءة” المحور الذي يقوده “حزب الله” تحوّلت بسهولة الى أقلية واقعية، بينما تمكنت الأقلية من أن تبرز كأكثرية فعلية فحافظت على الرئيس نبيه بري في موقع رئاسة مجلس النواب من الدورة الأولى، وانتزعت لـ”التيار الوطني الحر” نيابة رئاسة مجلس النواب، في وقت كان يمكن فيه فرض مرشح تتقاطع عنده القوى السيادية والتغييرية على حد سواء. لم تنجح الأكثرية المشتتة في الوقوف بوجه الأقلية الموحّدة تحت راية “معلم” واحد أدار المعركة على أنها اختبار أولي للاستحقاقات المقبلة، بدءاً بالاستشارات النيابية الملزمة المنتظرة في الأسبوع المقبل لاختيار شخصية تكلف تشكيل الحكومة الجديدة، ثم التشكيل، فجلسة الثقة. والأهم أن “حزب الله” أدار الاختبار الأول، وتمكّن من تجسير الهوة بين العديد من الحلفاء الألدّاء، فحصد نتيجة يجب التوقف عندها من أجل التفكير في ما ينبغي فعله في مقبل الاستحقاقات. فلا ننسى أن الاستحقاق الأهم هذا العام يتعلق بالانتخابات الرئاسية التي ستحدّد وجهة لبنان للسنوات الست المقبلة. فإذا استطاع “حزب الله” أن يعيد فرض رئيس تابع له على غرار الرئيس الحالي، فإن انتزاع لبنان من براثنه سيصير أصعب بأشواط.

بناءً على ما تقدّم، يجب على القوى التغييرية والسيادية أن تتحاشى جلد الذات. فالتجربة الأولى لم تنجح، لكنها فرضت على قوى محور “حزب الله” إيقاعاً مختلفاً وصعباً تجلى في منع الرئيس بري من الفوز بنتيجة معتبرة فجاء فوزه باهتاً. والأهم أن المعركة ذات الطابع السياسي انتقلت الى منصب نائب الرئيس، وهو منصب فخري، فحصل المرشح الذي نال تأييد معظم القوى السيادية والتغييرية على نتيجة جيدة، وكاد يفوز لولا تمسّك بعض النواب الجدد بنظرية الورقة البيضاء، فضلاً عن تسرّب أصوات بعض “أحصنة طروادة” الى مرشّح “التيار الوطني الحر”.

كان هذا اختباراً أول ولا يجوز تحميله أكثر ممّا يحتمل. المهمّ التطلع نحو المستقبل. والمهم أن تدرك الأكثرية المشتتة، وبالتالي الوهمية حتى إشعار آخر، أن عليها أن تتوحّد لمواجهة الاستحقاقات المقبلة. فتذرّع بعض التغييريين بأنّه لا صوت يعلو فوق صوت الإصلاح، ومعاداتهم القوى السيادية الحزبية تارة لأن بعضها جزء من تركيبة السلطة، وطوراً بسبب المواقف الأيديولوجية المسبقة التي تعود الى ما قبل سقوط جدار برلين، خطأ فادح. فالأولوية يجب أن تقوم على تلازم معركتي الإصلاح والسيادة. فإذا بقي البعض على مواقفه الملتبسة من السلاح غير الشرعي فستكون الفرصة التاريخية لإنقاذ لبنان اقتصادياً، سياسياً وثقافياً، قد ضاعت الى الأبد.

وفي المقابل، إن لم تتدارك الأحزاب السيادية الراسخة الموقف، من خلال فتح جميع قنوات التواصل مع التغييريين، والعمل الجدّي على ملاقاة البعد الإصلاحي الذي يجب أن يكون أولوية فلن يكون ثمّة أمل بإنتزاع لبنان من السجن الإيراني الكبير الذي يقيمه “حزب الله” في لبنان.

على حكماء القوتين السيادية والتغييرية أن يجدوا قواسم مشتركة للعمل معاً مهما تكن الظروف، والأفكار المسبقة التي تسكن النفوس على الجانبين.
لا ترتكبوا أخطاء ١٤ آذار السابقة. واجهوا معاً بعقل وبعد نظر.

 

علي حمادة – النهار