ترسيم الحدود الدوليّة بين الحق والقوّة على ضوء المعاهدة الدوليّة لقانون البحار (10/12/1982)

يشهد لبنان في المرحلة الحاضرة، ورشة عمل كبرى حول موضوع مهم وخطير للغاية وهو ترسيم حدوده البحرية الجنوبية مع اسرائيل، وذلك باهتمام السيد آموس هوكشتاين الوسيط الأميركي الذي دُعي الى لبنان لهذه الغاية. وسيعمل الوسيط الأميركي على الوصول الى حل يرضي الجانبين: الاسرائيلي واللبناني أي الى قبولهما بالخط الفاصل بين المنطقتين الحصريَّتين لكل من لبنان واسرائيل في مياه المتوسط، وذلك طبقاً لما تنصّ عليه المعاهدة الدولية لقانون البحار الصادرة في 10/12/1982.

… هذه المقاربة لموضوع الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل تتجاوز الجدل العاطفي نحو المزيد من المعطيات العلمية والموضوعية التي تحكم وتتحكّم بموضوع الترسيم وتضع حدّاً للانفلات العاطفي بحيث يؤدي هذا الانفلات الى عكس ما يراد منه، أي الى إضعاف دور وموقف لبنان في التفاوض وليس الى تقويته. ذلك ان صياغة الموقف اللبناني يفترض العودة الى الأسس والمبادئ والقواعد العلمية والتاريخية التي تحكم مشروع الترسيم. وهي أمور ينبغي التذكير بها والعودة اليها وليس تجاوزها أو اهمالها. فلبنان مدعوٌ لأن يبرز ويدعّم قواعد الحقّ كي يتمكن من تحديد وضبط قواعد القوّة في ازاء اسرائيل… وأميركا على حدّ سواء!

تعود اشكالية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل الى عدّة عوامل واعتبارات استراتيجية جغرافية وهي كانت وما زالت عاملاً حاسماً في التوصل الى اتفاق بين البلدين:

أ- إن النفط والغاز مادة استراتيجية بمعنى أنها حيوية لحياة الانسان ومساره الحضاري من جهة أولى، وهي محدودة وربما نادرة الوجود من جهة ثانية، وهي هدف لصراع الأمم من اجلها من جهة ثالثة… لهذا صنّف في خانة المواد الاستراتيجية: القمح والمياه العذبة والنفط والغاز.

ب- إذا كانت حدودنا مع فلسطين قد رسّمت باتفاق بوليه-نيوكمب 1923 وهو أصبح نافذاً بموافقة عصبة الأمم عليه عام 1934 ولكنه يتناول الحدود البريّة فقط دون البحرية. فما هي اشكالية حدودنا البحرية مع اسرائيل؟ انها اشكالية متعددة الجوانب:

من أية نقطة تبدأ الحدود البحرية بين اسرائيل ولبنان؟

من رأس الناقورة، أم من بلدة المطلّة (على وادي الأردن) كما يريدها الاسرائيليون!

ج- إن اسرائيل لم ترسّم حتى الآن حدودها النهائية براً أو بحراً مع أية دولة مجاورة، والملفت ان كتاب «حدود أرض اسرائيل» في الماضي والحاضر والمستقبل للبروفسور موشيه برافر (جامعة تل أبيب) ليس فيه أية خريطة لدولة اسرائيل عبر حدودها القائمة، او المفترض اقامتها مع دول الجوار ومنها لبنان. ويذهب البعض الى تفسير او تبرير ذلك بأن الدولة العبرية ترفض ترسيم حدود نهائية لها انطلاقاً من نظرية «فريدريتش واتزل» الألماني ابو الجيوبوليتيك المعاصر، والقائلة «إن الدولة كائن حيّ يتوسّع تبعاً لحيويّة شعبه» ويفرض بالتالي حدوداً جديدة.

د- ويؤكد الكثيرون من المفكّرين اللبنانيين وفي مقدّمهم المفكر ميشال شيحا بأن لإسرائيل اهدافاً توسعيّة وخاصة في لبنان، ومن هنا نقدها لقيام لبنان الكبير باعتباره نقضاً لايديولوجية اسرائيل الكبرى.

ه- إن نصوص معاهدة قانون البحار حول موضوع ترسيم الحدود البحرية بين دولتين (لبنان واسرائيل) في مياه المتوسط: هي نصوص عامة ولكنّها تجعل الأساس في ذلك في تعارض وتوافق الدولتين وهذا غير وارد بين لبنان واسرائيل لسببين رئيسيين: أولهما واقع العداوة التاريخية بينهما وثانيهما عدم التكافؤ في القوة… لقد أكّد قانون البحار في مادته 74 «ان الترسيم يتم بطريقة الاتفاق بين الدول طبقاً للقانون الدولي بهدف الوصول الى حلٍّ منصف». ولتحقيق الاتفاق اعتمدت محكمة العدل الدولية وسيلتين:

الأولى: تساوي البعد (Equidistance) أعلى الخط النصفي (Mediane) بالنسبة للدول المعنية (لبنان، اسرائيل وقبرص). وعليه كان اختيار النقطة 23.

الثانية: وسيلة الخط العمودي (Perpendiculaire) على الاتجاه العام للشاطئ.

وقد أكّدت محكمة العدل الدولية ان البعد التساوي لا يشكّل وحده عامل الوصول الى الانصاف بل الأخذ بعين الاعتبار طول شواطئ الدولة (لبنان). ونسبة هذا الشاطئ من المعدل العام لطول خط الوسط وهي نسبة حدّدتها المراجع العلمية التي درست قانون البحار61%، وفي مقدّمها الكتاب المرجعي بالفرنسية (Atlas géopolitique des Espaces Maritimes) والذي تناول كافة بحار العالم وفي مقدمها البحر الأبيض المتوسط، وفيه المنطقتان الاقتصاديتان لكل من لبنان واسرائيل حيث يتأكد ان نسبة حصة لبنان من خط الوسط هي 61% بما يعادل 188,5 كلم، في حين ان حصة اسرائيل هي 39% بما يعادل 120,5كلم وطول الخط الوسط هو 309 كلم.

و- إن اللجنة اللبنانية في المفاوضات مع قبرص عام 2007 كانت بكل أسف قد أعطت اسرائيل على خط الوسط 50% ولبنان 49% في حين ان تلميذاً عادياً في المدرسة قادر على التمييز بين الخطين، وان خط لبنان هو أطول من خط اسرائيل: 61% على 39% 188,5/120,5 كلم. ان خطأ كهذا لا يغتفر. والأسوأ منه ان السلطات اللبنانية صارت، كل مرة، تصحح الخطأ بخطأ أسوأ منه.

ز- هذا يدفع الى القول والتذكير بأن المفاوضات بين الجانبين وبرعاية اميركية تستند الى قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمستغرب في هذا التفاوض هو ان الولايات المتحدة واسرائيل لم توافقا على هذا القانون حتى الآن، في حين ان لبنان اعلن موافقته عليه في العام 1995.

ح- صار واضحاً موقف لبنان من عملية الترسيم: الخط 23 وحقل قانا كاملاً. فالخط 23 هو الذي يفصل بين المنطقتين الاقتصاديتين الحصريتين لكل من لبنان واسرائيل (ZEE= Zone Economique exclusive). من الصعب، بل من المستحيل الحكم على هذه القسمة على قاعدة الانصاف المطلوبة بحسب القانون.

هذا يفترض معرفة مسبقة ولو كانت سريّة على ما يحتويه حقل قانا من ثروات نفطيّة وغازيّة. وهي أمور ستبرزها الأيام في المستقبل. المهم ان يكون لبنان قد حصل على الحد المقبول من حقه في مياه المتوسط. فهو في مواجهه اسرائيل وبرعاية الولايات المتحدة لن يتمكن من الحصول على كل ما يعود اليه.

وهذا يعيدنا الى عنوان هذا المقال وما بدأنا الكلام به، وما أكده ميشال فوشيه (Michel Foucher) أحد أبرز دارسي ترسيم الحدود في الغرب، من أن الترسيم يصنعه عاملان: الحق والقوّة.

ط- أودّ في ختام هذه المداخلة ان أتطرّق الى نقطة أساسية في موضوع الترسيم العائد للمنطقة الاقتصادية. وتسميتها «بالخالصة» وهي تسمية خاطئة ومضرّة بالمصلحة الوطنية اللبنانية:

خاطئة لغوياً: لأن الخالص يعود الى طبيعة الشيء وفيه معنى التنقية: معدن خالص صاف، ورجل خالص لا دين عليه.

ونبيذ خالص: غير ممزوج.

أما الحصرية فتعني تحديد انتماء الشيء لا طبيعته فهو محصور لجهة معيّنة دون سواها ولا يشاركها او يقاسمها فيها أحد.

إنها تعود الى جهة واحدة وهي امتياز لجهة دون الآخرين هي لبنان!

وهذا هو المطلوب من لفظة (Exclusive)

… والّذين يصرّون على لفظة الخاصة إما يجهلون فقه اللغة العربية وإما يدخلون في بازار التخلّص منها!

وفي الحالتين هو أمر بائس ويؤسف له!

 

د. نبيل خليفه – نداء الوطن