بين قهقهات هوكشتاين وإصبعَيْ الرئيس والسيّد

على الرغم من اختلاف مسارهما وتفاوت أهميّتهما فإنّ ملفَّيْ ترسيم الحدود البحرية جنوباً وتشكيل الحكومة العتيدة يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي أنّ قابلية أفرقاء الحكم لعقد اتفاق أو تسوية “حقيقية” فيما بينهم، ولا سيّما في الاستحقاقات المهمّة والمصيرية، أصعب بما لا يقاس من سهولة استعدادهم للتنازل أمام “الخارج” أو تلبية شروطه أو تنفيذ أجندته.

هكذا استغرق أركان السلطة أسبوعاً كاملاً للاتفاق على موقف “موحّد” ينقله رئيس الجمهورية إلى الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين الذي زار بيروت بناء على طلب الدولة اللبنانية، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الموقف اللبناني الموحّد الذي أُبلغ به الأخير لم يُنجَز إلّا قبل نحو 48 ساعة من وصوله. وهذا مع الأخذ في الاعتبار أنّ مؤشّرات عديدة أوحت بأنّ موقف لبنان هذا ليس موحّداً إلى الحدّ الذي تمّ الترويج له في الإعلام. فالنائب جبران باسيل أعلن مساء الأحد في 12 من الشهر الجاري، أي عشيّة وصول هوكشتاين، أن “لا رأي واحداً لبنانيّاً حول الردّ”. وفحوى كلامه أنّ الرئيس نبيه برّي هو من يكسر الإجماع اللبناني حول هذا الردّ أو يؤخّره.
برّي لم يحضر الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا يوم السبت في 11 من الشهر الجاري، واكتفى بإرسال إشارات إعلامية مفادها أنّه ملتزم باتفاق الإطار الذي أبرمه مع الأميركيين. وهو الاتفاق الذي أعلن رئيس البرلمان بعد لقائه هوكشتاين أنّه يبقى الأساس والآليّة الأصلح في التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، مع إشارته إلى أنّ “ما يجري الآن هو مخالف للاتفاق، ويحرم لبنان من حقوقه في وقت يسمح للكيان الإسرائيلي بالاستخراج والاعتداء، الأمر الذي يعرّض السلام في المنطقة ويفاقم خطورة الأوضاع”. وربط برّي بين حرص لبنان على استخراج ثروته وبين حرصه على الحفاظ على الاستقرار، وهو ما يمكن اعتباره جوهر اتفاق الإطار الذي شكّل تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة أمن المنطقة الحدودية، إذ اعتبر أنّ توصّل لبنان إلى استخراج ثروته يشكّل أرضية صلبة لـ”السلام في المنطقة”.

تجاهل بعبدا لـ”اتفاق الإطار”؟

فتح الرئيس بري باب الاجتهاد في مقصده بقوله إنّ ما يجري مخالف لاتفاق الإطار: فهل عنى أنّ أسلوب وطروحات مَن تولّى ملفّ المفاوضات من الجانب اللبناني، أي الرئيس عون، شكّلا خروجاً على هذا الاتفاق، أو بالحدّ الأدنى أنّ دوائر القصر لم تنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه الأساس والآليّة الأصلح للتفاوض كما قال برّي؟

ليس قليل الدلالة في هذا السياق أن تخلو أدبيّات القصر وفريقه السياسي من أيّ ذكر لاتفاق الإطار من قريب أو بعيد. وهو ما يشير إلى التباين أو الخلاف أو حتّى الصراع بين الجهتين حول هذا الملف ربطاً بمجمل الملفّات السياسية، على الرغم من أهميّة هذا الملف واقتضاء الضرورة الوطنية بعزله عن أيّ صراع سياسي في البلد.

فإمّا أنّ اتفاق الإطار هو الآليّة الأصلح للمفاوضات بعدما استغرق التوصّل إليه عشر سنوات من المفاوضات مع الأميركيين، وفي هذا السياق يبرز السؤال: هل كان برّي يمثّل موقفه الشخصي طوال هذا الوقت أم موقف الدولة اللبنانية؟!

وإمّا أنّ هذا الاتفاق غير صالح بحسب الرئاسة الأولى، وعليها في هذه الحالة أن تُظهر عدم صلاحه، وحتى أن تطالب بمساءلة برّي، وإلّا فإنّ إعراضها عن ذكر هذا الاتفاق وعن تأكيد الاستناد إليه في إطار المفاوضات يدفع إلى الريبة في دوافعها حياله.

ما يدعو أكثر للاستغراب أنّ رئاسة الجمهورية تصرّ في كلّ مرّة تتناول ملفّ الترسيم على التذكير بأنّها هي من يتولّى التفاوض بشأنه بحسب الدستور. وإذا ما وضعنا هذا الأمر مقابل “تجاهل” دوائر القصر لاتفاق الإطار، فإنّ ذلك يحيل إلى تسلّل منطق الصراع السياسي بين الرئاستين الأولى والثانية إلى هذا الملف المصيري أسوة ببقية الملفّات والاستحقاقات المهمّة.

الخنوع لهوكشتاين

المضحك المبكي أنّ أنصار رئيس الجمهورية احتفلوا بالصورة التي وزّعها القصر الجمهوري للقاء عون وهوكشتاين، ويبدو فيها الرئيس وهو يشير بإصبعه إلى نقطة على الخريطة الموضوعة بينه وبين ضيفه، باعتبار أنّ عون هو مَن يحدّد الخط الذي يحفظ حقوق لبنان ولا أحد يملي عليه شيئاً على قاعدة أنّ “العالم يسحقني ولا يأخذ توقيعي”. وهذا كلّه في وقت أهان هوكشتاين، الذي لم تفارق الضحكة ثغره خلال الزيارة، الدولة اللبنانية والشعب اللبناني عندما قال إنّ “لبنان لا يملك شيئاً، وعليه أن يقبل بما يُعرض عليه”، بينما لم يكلّف أيّ مسؤول نفسه عناء الردّ عليه. حتّى حزب الله تغاضى عن هذه الإهانة بعدما كان أمينه العام قد وصف المبعوث الأميركي بأنّه “وسيط غير نزيه”. وهو ما يؤكّد طبيعة الممارسة السياسيّة لأركان الحكم الذين يُخضعون خطابهم وسياساتهم مع الأميركيين لحسابات دقيقة بناء على أجنداتهم الخاصة. وهذه نقطة تثير شكوك اللبنانيين أكثر فأكثر في استعداد أركان الحكم للتنازل للأميركيين لقاء مكاسب سياسيّة ولو كان الأمر على حساب المصلحة اللبنانية، في حين لا يسعون إلى بناء إجماع لبناني متين حول هذا الملفّ يقوّي موقف لبنان التفاوضي.

فوق كلّ هذه الأجندات تأتي أجنده حزب الله بوصفها الأكثر اتساعاً وتجاوزاً للحدود اللبنانية. فهل يعتبر الحزب ملف ترسيم الحدود ملفّاً استراتيجياً لبنانياً أم ملفّاً تكتيكيّاً من ضمن الاستراتيجية الإيرانية الكبرى؟ وبالتالي فهو يخضع لأولويّات طهران توقيتاً ومضموناً وورقة بيدها تستخدمها في مواجهاتها ومفاوضاتها ومساوماتها مع واشنطن؟

هذا في وقت رسم فيه الأمين العام لحزب الله السّيد حسن نصرالله معادلة جديدة جنوباً من خلال القول إنّ حزب الله قادر على منع إسرائيل من استخراج الغاز من حقل كاريش، وهو ما يعني عمليّاً محاولة تجميد هذا الملفّ إلى حين قبول طرفَيْ النزاع بحلّ مرضٍ لكلا الطرفين. وهذه مسألة معقّدة جدّاً قد تطول في ظلّ الظرف الإقليمي والدولي الراهن. لكنّ الردّ الإسرائيلي كان واضحاً بأنّ تل أبيب مستمرّة في “رحلة استخراج النفط” دون اكتراث للأصوات الآتية من بيروت.

أمّا جبران باسيل فإنّ سقف تكتيكاته الرئاسية أكثر انخفاضاً من ذلك بكثير. لكن على الرغم من ذلك فهو قادرٌ على المناورة في ملف الترسيم كما في الملف الحكومي بما يتعارض مع نتائج الانتخابات التي أظهرت تراجعاً كبيراً في شعبية تيّاره، والتي صوّر نفسه فيها منتصراً لا بل أكبر المنتصرين. وهو ما يشكّك في صحّة تمثيل قانون الانتخابات الحالي وفي انعكاس نتائج الانتخابات في المشهد السياسي. لكنّ هذا الأمر يدلّ بالدرجة الأولى على استمرار القوى السياسية باللعب بمصائر اللبنانيين وتعميق أزماتهم، دونما أيّ إحساس بالمسؤولية.

فإذا كان من غير الممكن مقاربة السياسة مقاربة أخلاقية بحتة، تتحوّل الممارسة السياسيّة على مستوى السلطة، عندما تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية، إلى ممارسة إجرامية بحقّ الشعب، وهذا ما يحصل في لبنان!

 

إيلي القصيفي – أساس ميديا