بين “أبو سلة” و”مزراع شبعا البحرية”!

ما من شك في أن الحملة التي يقوم بها الجيش اللبناني ضد بعض عصابات المخدرات في البقاع، وأشهرهم المدعو “أبو سلة” تحظى بتأييد معظم اللبنانيين الذين يعتبرون أن الاستثناء الأمني الذي تنعم به العصابات لم يعد مقبولاً. ومع أن ملاحقة المطلوب “أبو سلة” الدامية لا تمثّل سوى رأس جبل جليد في جمهورية زراعة المخدرات وتصنيعها وترويجها، فإن الجيش اللبناني مطالب بعدم التوقف قبل توقيف من يجب توقيفه تزامناً مع إقدام بعض المشايخ المنتمين الى “حزب الله” على اللعب على وتر التحريض العشائري أو المناطقي أو حتى الطائفي الضيّق ضمن جدلية العلاقة التي تجمع “حزب الله” ببيئة مناطقية يحتمي بها كلا الحزب والعصابات خدمة لأجندة كل منهما. إن توقيف “أبو سلة” وجماعته لن ينهي عصابات المخدرات، لكن مرفوض أن يحاول أي فريق منع الجيش من الانتصار في هذا الامتحان مهما كان محدوداً بنتائجه. إذن فليكمل الجيش عمله مدعوماً من اللبنانيين كلهم.

ننتقل من “أبو سلة” الى قضيّة أكثر أهمّية، قضيّة استقدام إسرائيل سفينة تنقيب واستخراج الى حقل “كاريش” الواقع على تماس مع الخط ٢٩ الذي يُفترض أنه يلامس المنطقة المتنازع عليها. هنا المسألة أقل وضوحاً، لكنها أكثر دقة لجهة أن لبنان مطالب بالقيام بخطوات سريعة وواضحة من أجل استعادة التوازن الى العملية التفاوضية التي يتوسط فيها الجانب الأميركي. فالخط ٢٩ الذي يثيره المسؤولون اللبنانيون على أنه الخط الذي يطالب به لبنان، لا يزال نظرياً، وقد حصل تقصير كبير من قبل الدولة اللبنانية على مدى السنوات الماضية بعدم قيام الحكومات اللبنانية المتعاقبة بتعديل المرسوم ٦٤٣٣ المتعلق بالحدود البحرية والانتقال بالإحداثيات من الخط ٢٣ الى الخط ٢٩، وإيداع الأمم المتحدة التعديلات لكي يصبح الخط ٢٩ نقطة انطلاق المفاوضات بدلاً من الخط ٢٣. هذا أولاً. ثانياً، لا بدّ من الإسراع في دعوة الوسيط الأميركي الى إعادة فتح المفاوضات بجدّية على أساس الخط ٢٩. هذا مع العلم بأن الانطلاق من الخط ٢٩ لا يعني بالضرورة أن لبنان سيحصل على كل مطالبه. لكن الانطلاق من الخط ٢٣ هو تنازل مجّاني عن مساحات من المنطقة البحرية التي تحتوي على مخزون كبير من الثروات النفطية. والمسؤولون مطالبون بعمل تفاوضي جدّي، لا يترك مجالاً في إطار قانون البحار إلا ويسلكه. ثالثاً، يجب أن يكون التفاوض بين الدولة اللبنانية وإسرائيل بوساطة أميركية، لا أن يكون تفاوضاً بالواسطة بين إسرائيل و”حزب الله” ومن خلفه إيران. فالمعنيون يعرفون جيداً أن أحد أهداف “حزب الله” الرئيسية يقضي بتحويل قضيّة الحدود البحرية وترسيمها، الى “مزارع شبعا بحرية” بدل أن يكون الترسيم البحري بداية لإنهاء مسألة مزارع شبعا التي يستخدمها “حزب الله” منذ عام ٢٠٠٠ ذريعة لإبقاء سلاح غير شرعي، والانقضاض على منطق الدولة والقانون في لبنان. من هنا لا بد من منع “حزب الله” من تصدّر المشهد المتعلق بالمفاوضات، والكفّ عن التلويح بخيار عسكري لدى هذا الحزب. إن أضرار اللجوء الى التهديد بسلاح “حزب الله” تفوق أضرار خسارة بعض من مطالب لبنان البحرية بالتفاوض، لأن اختراع “مزارع شبعا البحرية” لن يخرج النفط والغاز من أعماق البحر، ولكنه سيمدّ بعمر الحالة الشاذة التي تنحر لبنان مع كل إشراقة شمس. عودوا الى طاولة المفاوضات الجدية.

 

علي حمادة – النهار