بدنا نرووووووء!!

الرياضيات مدخل حاسم لقراءة نتائج أولى جلسات البرلمان بعد الانتخابات، ولا سيّما انتخاب نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب.

لنتّفق أوّلاً أنّ ثمّة كتلة 65 نائباً واحدة داخل المجلس في أيّ تصويت. وهو ما يعني أنّ البديهي أنّ تصويت التغييريين الـ13 لمصلحة غسان سكاف في الدورة الثانية لم يكن كافياً لإيصاله. أمّا في الدورة الأولى حين صوّت 7 من النواب التغييريين لسكاف وصوّت 6 منهم بأوراق بيضاء، فيعني أنّه حتى لو صوّت جميع التغييريين لسكاف في الدورة الأولى لنال الرجل 55 صوتاً (49 حازها في الدورة الأولى + 6 أوراق بيضاء). في الحالتين لم يكن التغييريّون مسؤولين عن عدم إيصال سكاف، ولا يستحقّون بالتالي حملة الجلد التي تعرّضوا لها.
مشكلة التغييريين في مكان آخر، ومشكلة تركيبة الأكثرية في البرلمان في مكان ثالث.

التغييريون ليسوا مزاجاً سياسياً واحداً، ولا يمتلكون المستوى نفسه من الخبرة السياسية أو البراغماتية. ولا ينطلقون من منظومة قيمية سياسية وفكرية موحّدة. والأرجح أنّ حذرهم بعضهم من البعض الآخر، علاوة على احتمال المزايدات التي ظهرت جليّة في الجلسة الأولى، يساوي حذرهم من القوى السياسية الأخرى التي تشكّل البرلمان. لا بل إنّ حذرهم في مقاربة هذه القوى والتلاقي معها على عناوين سياسية سببه الأوّل حذر بعضهم من البعض الآخر، وقناعتهم بأنّ داخل مجموعة الـ13 مَن يتربّص بزملائه لحرقهم ونزع غطاء الطهرانيّة السياسية عنهم والاستئثار بالصفة التمثيلية “للشارع والثورة”.

من الطبيعي أن يظلّ التغييريون أسرى العنوان الساذج “كلّن يعني كلّن” لفترة من الزمن بعد دخولهم الندوة البرلمانية، في مرحلة تأقلم صعبة ومعقّدة، تُلقى في خلالها على أكتافهم جبال من التوقّعات الشعبية غير الواقعية. امتحان توافقهم فيما بينهم ليس بسيطاً. امتحان مصداقيّتهم أمام الناس ليس بسيطاً. امتحان عبورهم من جنّة الاعتراض والعفّة السهلة إلى واقع العمل السياسي ووحولِه ليس بسيطاً. بيد أنّ ما ينبغي إنصافهم به أنّهم على الرغم من ألق “كلّن يعني كلّن” أنجزوا تصويتاً مشتركاً بلغ 60 نائباً مع بقيّة قوى الاعتراض السياسي، كالاشتراكي والقوات والكتائب والمستقلّين، أي جزء كبير ممّن يشملهم شعار “كلّن يعني كلّن”، وهذا تعبير عن إمكانيات تأقلم وبراغماتية لا يُستهان بها ومن الجلسة الأولى!!

عليه، “بدنا نروء”… لا بل “بدنا نرووووووء كتير”!

التغييريون ليسوا مشكلة البرلمان الجديد.. ليسوا أولى مشاكله بالحدّ الأدنى. مشكلته أنّ حزب الله خسر الأكثرية فعلاً، لكن لم يربحها أحد في المقابل. فالاعتقاد بأنّ الأكثرية انتقلت من ضفة إلى ضفة يقع في صلب أسباب الإحباط والغضب الذي أثارته وقائع الجلسة الأولى وإيصال “8 آذار” مرشّحيها كلّهم بدفع من الخصوصية التي يتمتّع بها الرئيس نبيه بري عبر علاقات أخطبوطيّة بين قوى سياسية متباينة ومختلفة يفرّقها الكثير ويجمعها هو بشخصه.

 

مشكلة البرلمان الرئيسية أنّ كتلة هلاميّة عائمة من النواب السُنّة تبلغ 8 نواب، معظمهم من قدامى المستقبل، ونائب الجماعة الإسلامية، تُضاف إلى عدد من النواب المسيحيين يراوح بين نائبين و5 نواب، هي الكتلة المرجّحة أو ما يمكن تسميته كتلة ملء الفراغ الفاصل بين كتلة حزب الله وأكثرية النصف زائداً واحداً. ففي أسوأ حالات حزب الله تنخفض كتلته الاستراتيجية إلى 59 نائباً (أستثني هنا ميشال المرّ وفريد هيكل الخازن وسجيع عطية)، وترتفع في أحسن الحالات إلى 62 نائباً (إذا أضفنا الأسماء الثلاثة السالفة). حزب الله إذاً يبعد ما بين 3 إلى 6 نواب عن مفصل النصف زائداً واحداً في أيّ قرار يعنيه، وتتوافر له كتلة من 11 الى 14 نائباً بوسعه أن يتمّم منها ما يعوزه من أصوات.

أمّا كتلة النائب وليد جنبلاط، فسيكون علينا أن ننتظر امتحاناتها في الاستحقاقات المقبلة، حيث إنّ تصويتها إلى جانب نبيه بري هو الأمر الطبيعي بحكم ما آلت إليه العلاقة بين الرجلين منذ اتفاق الطائف، وتصويته إلى جانب غسان سكاف طبيعي بحكم الموقع المفترض لجنبلاط منذ العام 2005.

أمّا كتلة الاعتراض الصلبة في مواجهة خيارات حزب الله الاستراتيجية، فتراوح بين 45 إلى 47 نائباً، وتضمّ القوات اللبنانية (18) والكتائب (4) ومستقلّين مسيحيين وسُنّة (11) ونائب الأحرار (1) وأشرف ريفي (1) وجميل عبود (1)، مضافاً إليهم جزء من التغييريين وليس جميعهم (9 أو 11 من أصل 13). وإذا أضيف إلى كلّ هؤلاء 8 نواب لجنبلاط تصل كتلة الاعتراض الصلبة إلى 53-55 نائباً. وهو ما يعني أنّ الفاصل بين مجموع الكتلة الصلبة والنصف زائداً واحداً ينبغي أن يأتي من قدامى المستقبل الثمانية ونائب الجماعة الإسلامية، وإن أمكن التأثير على النواب المسيحيين الثلاثة أو الأربعة ممّن يمون عليهم برّي، لكن من الصعب أن يذوبوا تماماً في خيارات حزب الله. وهو ما يعني أنّنا عدنا إلى المشكلة الأساس، وهي أنّ مشكلة البرلمان الرئيسية التي تستوجب المعالجة الفورية تكمن في الكتلة الهلامية السنّيّة الخاضعة لكلّ أنواع التجاذب والمغريات والأجندات والمطامح الشخصية.
في إزاء هذا الاستعصاء الرقمي، تبرز أهمية الوزن المعنوي الكبير لكتلة التغييريين، لا بقيمتها التصويتية وحسب، بل بقيمتها كرافعة لأجندة التغيير السياسي المطلوب التي كلّما زاد وضوحها بعناوين تفصيلية زادت قدرة التأثير والابتزاز والإحراج على خيارات التصويت عند الكتلة الهلامية السنّيّة المسيحية، ممّن سيجدون صعوبة في الانتحار خلف خيارات حزب الله، إذا كانت تتوافر خيارات سياسية وطنية جذّابة.

لنبدأ من أن تتقدّم كتلة الـ 13 بمعايير واضحة لرئيس الحكومة المقبل وللحكومة ولأولويّاتها، كما لتركيبتها الداخلية، وليكن هذا معيار التلاقي أو الافتراق مع القوى السياسية الأخرى، بلا عِقَد تتّصل بما قبل الانتخابات. تملك هذه المجموعة القدرة على قيادة السجال السياسي في البلد وتحديد الأجندة على أسس واقعية وبلا أوهام أو عناوين طهرانية فضفاضة.

المشاكل التي ينبغي التصدّي لها معرَّفة بحكم الواقع اللبناني: ملف الإنقاذ الاقتصادي والمالي، ملف الكهرباء ووزارة الطاقة، ملف التعطيل داخل مجلس الوزراء من خلال آليّتَيْ مصادرة الثنائي الشيعي لوزارة المال أو الثلث المعطّل أو الاثنين معاً، ملف الحدود وضبطها بحراً وبرّاً وجوّاً، ملف علاقات لبنان العربية، بالإضافة دائماً وأبداً إلى ملف الإصلاحات الداخلية الخدماتية والإدارية.

إذا نجحت هذه المجموعة في وضع المعايير واللاءات للحكومة المقبلة، وفرز المجلس على أساسها، نكون أمام “أقلّيّة” قادرة على المبادرة وقيادة أجندة الشأنين السياسي والعامّ في لبنان، وإعادة بناء أكثرية داخل مجلس النواب تقود البلاد نحو التغيير المنشود. ما عدا ذلك سيكون تلهّياً بطهرانيات طفولية مؤدّاها إهداء حزب الله وحلفائه أكثريّات الـ 65 نائباً، بكلّ تركيباتها الممكنة.

التغييريون ليسوا المشكلة… حتى الآن! لكنّهم مرشّحون لأن يكونوا الجزء الأكثر مدعاة للأسى فيها. هنا التحدّي. والجواب هو القدرة على المبادرة والوضوح في الطرح.

 

 

نديم قطيش – أساس ميديا