الإستشارات: الفرز والامتحان

تتقدم حظوظ التوافق على مرشح واحد لتسميته في الاستشارات النيابية الملزمة بعد غد الخميس، التوافق بين المكونات، التي يفترض بها أن توحد نظرتها للإنقاذ، ولو من زوايا مختلفة قد تصل الى التعارض. لم يعد الترف مجدياً، وهو أصبح بمثابة العبث، فأمام مشهد التجديد الذي تسعى اليه المنظومة، فرضت أولوية الاتيان برئيس مكلف من قماشة مختلفة، لان بهذا الرئيس المكلف يمكن البدء بالخطوة الأولى، وهي تشكيل حكومة تناقض المسار، الذي أعطى للتسويات اسماً هو منها براء. لم تكن تلك تسويات المقصود منها الخير العام، بل صفقات ألبست ثياباً زاهية، فيما حقيقتها لا تتخطى مجرد كونها عملية تقاسم نتنة، أبطالها أشبه بشخصيات فيلم العراب.

يتقدم اسم نواف سلام بين الكتل المعارضة الحزبية والمستقلة، والتغييريين، وللإسم مواصفاته وآخرها اهمية في التراتبية، عائلته البيروتية العريقة، فهو ابن عبدالله شقيق الرئيس صائب سلام. يمكن التوقف في هذه التراتبية عند بعض الأفضليات التي لا تنتمي إلى زمن التسويات والمحاصصة. أكاديمي عريق وسفير للبنان في الأمم المتحدة، وقاض منتخب في محكمة العدل الدولية، لم يتردد عند النظر بمقاضاة نادرة رفعتها ايران أمام المحكمة في اصدار حكم بمعزل عن رأيه في الجهة المستدعية.

إصلاحي قليل الكلام، له مؤلفات في الاصلاح يمكن أن تكون أساساً للبيان الوزاري. سيادي ينتمي الى نادي المفكرين الذين تجرأوا بعد الحرب على ممارسة النقد الذاتي على أنفسهم. عروبي لا تتناقض عروبته مع لبنانيته، ومن أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

عن مواصفات نواف سلام يمكن الكتابة اكثر، لكن يكفي في هذا التوقيت أن يكون السجل خالياً من لوثة التورط في وحول الفساد، لتكون بطاقة العبور، صدمة ايجابية تفتح الباب للثقة في الداخل والخارج، بأن رجل دولة قد تولى أخيراً موقعاً رئاسياً ومسؤولية تشكيل حكومة فعلية، لا إئتلافاً بتوقيع المافيا.

بهذا النموذج ستتمكن المعارضة اذا نجحت في حشد الاصوات النيابية، بأن تقدم نموذجاً يصلح للمقارنة، مع كل ما سبق، فبهذا النموذج يمكن ان نشهد بداية الفرز الجدي، فإما خيار جديد يطوي كل ما سبق، يمكن من خلاله بدء رحلة الألف ميل الى ممارسة السياسة بمفهومها الحديث والى استعادة السيادة، وتحرير لبنان من قيد محكم، وإما الاستمرار بالدوران العبثي والمدمر في الحلقة المفرغة لتحالف السلاح والفساد.

سنشهد يوم الخميس أول استشارات نيابية جدية، بغض النظر عن نتائجها غير المعروفة حتى الآن. لن يتمكن رئيس الجمهورية ميشال عون من تأجيل الاستشارات، وإذا فعل في اللحظة الأخيرة، فهو يكون قد أطلق الرصاصة الأخيرة على ما تبقى من عهده الهزيل، واذا ما اجريت الاستشارات، فإن اتفاق المعارضة على اسم موحد (حتى الآن نواف سلام) سيكون كافياً لإحداث اختراق كبير، لأن الفوز في الاستشارات بالمرشح المؤهل لقطع الطريق على المسار المدمر، ستعقبه مشاورات لتشكيل حكومة جديدة، تقوم على أنقاض سلوك الفساد، وعلى الجميع حينها متابعة رد فعل قصر بعبدا، الذي يناور تياره اليوم باحتمال تسمية من ستسميه قوى المعارضة، كما على الجميع متابعة ما سيقوم به ثنائي «أمل – حزب الله» لإجهاض الرئيس المكلف ومنع ولادة حكومته، وما سيستعمل من ادوات «ميثاقية» وتخوينية تستخدم عادة في خدمة التعطيل.

ستكون هذه الاستشارات المحطة الاولى بعد الانتخابات، والتي ستتجاوز انتخابات رئيس المجلس ونائبه أهمية، فهي المعبر الى مرحلة جديدة، وبخلاصاتها، يمكن فرملة نوايا التجديد والتوريث في قصر بعبدا، وبخلاصاتها التي لن تحتمل الشك أن اكثرية غير حديدية قد ولدت فعلاً، وانها مؤهلة لتحمل المسؤولية في المراحل الصعبة المقبلة.

 

أسعد بشارة – نداء الوطن