الأكثرية المائعة والفراغ

قد لا تكون بروفة مجلس النواب بالأمس عن مبدأ الأكثرية والأقلية كافية من أجل استكشاف التعديل «الشكلي» الذي أدخلته الانتخابات النيابية في ميزان القوى داخله حول القضايا الجوهرية التي سيكون على البرلمان الجديد أن يتصدّى لها، وهي مصيرية للسنوات المقبلة.

انتخاب الرئيس بري كان محسوماً لأربع سنوات جديدة، إلا أن نتائج انتخابات نيابة الرئاسة وهيئة مكتب البرلمان أظهرت بعض الدلالات التي ستتحكم بالاستحقاقات المقبلة سواء الدستورية المتعلقة باختيار رئيس الحكومة ثم تأليف الحكومة، وبعدها رئيس الجمهورية المقبل، أو التشريعية المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية الملحة التي يشترط صندوق النقد الدولي والدول المانحة تنفيذها قبل تثبيت الاتفاق مع لبنان لصرف 3 مليارات دولار على مدى 4 سنوات.

ثبت من هذه البروفة أن الأكثرية التي أفرزتها الانتخابات ليست أكثرية إذ إنها تقوم على مجموعة يفترض أن تكون مرجحة، لكن تبيّن أنها مائعة تفتقد إلى التماسك والوضوح في الخيارات. لكن هذه الميوعة تتّصف بها أكثر من كتلة نيابية من القوى التقليدية التي تبدو متماسكة. وفي انتخاب الرئيس بري بدا واضحاً أن أكثر من 7 إلى 8 نواب من كتلة «التيار الوطني الحر» صوّتوا له على رغم إعلان رئيس التيار النائب جبران باسيل أن التصويت كان بورقة بيضاء. وبعض الأصوات التي نالها بري من «التيار» كانت بقرار مركزي، جراء ضغط من «حزب الله» على باسيل، فاضطر لأن يبلع كل الخطاب السياسي الذي زايد فيه على حزب «القوات اللبنانية» برفض التصويت لبري. وبعض أصوات «التيار الحر» لمصلحة بري كانت بمثابة أمر واقع فرضه المتضررون من باسيل في «التيار» خلافاً لموقفه بابتزاز بري للحصول على مقابل للتصويت له، لأنهم يتهمونه بأنه سعى إلى إسقاطهم في 15 أيار. موقف هؤلاء هو الذي دفع كتلة «التنمية والتحرير» إلى مبادلتهم وفق مبدأ المقايضة بالتصويت لـ الياس بو صعب نائباً للرئيس.

كان طبيعياً أن تفتقد كتلة «التغييريين» للإجماع في التصويت لصالح النائب غسان سكاف، مع أنها اتخذت قرارها بالأغلبية في هذا الشأن ليل الإثنين، فاختار عضوان أو ثلاثة اعتماد الورقة البيضاء، على رغم أن المبادئ والمسلمات التي رشح نفسه على أساسها تلتقي مع النهج الذي يطالبون به في شأن إدارة البرلمان، وانطلاقه من موقعه المستقل عن السلطة الحاكمة وعن الطبقة السياسية.

إلا أن النتيجة الأكثر دلالة وتأثيراً على الاستحقاقات المقبلة، هي التشتت والميوعة في الأصوات السنية التي تسرّب منها أيضاً ثلاثة أو أربعة أصوات لصالح مرشح «التيار الوطني الحر» ولغير صالح سكاف. وثبت أن مرجعية التصويت السني غائبة كلياً كما كانت الحال في الانتخابات العامة التي أفرزت نتائج تحول دون الحد الأدنى من التماسك في مجموعة النواب السنّة، حيث لا أكثرية واضحة تستند إلى توجّه أو نهج يمليان عليها الموقف من الاستحقاقات المقبلة، وفي طليعتها رئاسة الحكومة.

في غياب المرجعية السنية لمجموعة النواب السنة، سيكون اختيار رئيس الحكومة عرضة هو الآخر للبازار الذي سيديره «حزب الله» عبر حلفائه في سائر الطوائف، حيث ينتظر أن تكثر الأسماء التي يرشحها تارة «التيار الحر» وأخرى «حزب الله»، على رغم الحديث في الصالونات السياسية عن أن لا بديل حتى الآن عن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. لكن الأخير، لن يستطيع أن يواصل سياسة تدوير الزوايا وتأجيل القضايا الخلافية مع سيد العهد الرئيس ميشال عون، والممسك بأختام الولاية باسيل. فالفريق الرئاسي الحاكم يشترط على رئيس الحكومة المقبل أموراً أبعد ما تكون عن الإصلاحات المطلوبة من الحكومة والبرلمان، تبدأ بإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بهدف الإمساك بالموقع المالي الأول في العهد الرئاسي المقبل، وتمرّ بما يتردّد عن هدف إقالة قائد الجيش العماد جوزاف عون، وإجراء التشكيلات الديبلوماسية وفقاً لأهواء ومصالح هذا الفريق، وإجراء تعيينات إدارية يتبوأ فيها الموالون المناصب. فهذه تسمح بإدارة الدفة في العهد المقبل، سواء جرى الاتفاق على رئيس للجمهورية مطواع لتحالف «حزب الله» و»التيار الحر» أم لا.

إلا أن هذه الشروط هي الوصفة الأكثر ملاءمة لإحداث الفراغ الحكومي وافتعال التعطيل، حتى لو جرى تكليف ميقاتي، لأن تجربة الأخير في الأشهر الماضية تفرض عليه أن يضع شروطاً في المقابل، حتى لا يسقط في أفخاخ التعطيل مجدداً، وآخرها مشروع تلزيم الكهرباء…

 

وليد شقير – نداء الوطن