إليزابيت الثانية وبرّي “الأوّل”

ردّاً على سؤال بطرس: “كم مرّة يخطئ إليّ أخي وأغفر له، أسبع مرّات؟”، أجاب يسوع: “لا سبع مرّات، بل سبعين مرّة سبع مرّات”.

نستهلّ بهذا القول ليسوع ليس لمعنى المغفرة. فلا محبّة في السياسة. إنّما لرمزية الرقمين سبعة وسبعين في الحضارات والأديان. الرقم 70 يرمز إلى الكثرة، والرقم 7 إلى الكمال. تتجسّد هاتان الرمزيّتان في اليوبيل البلاتيني للملكة إليزابيت الثانية، وفي انتخاب نبيه برّي رئيساً للمجلس لولاية سابعة.

كان الأسبوع الفائت أسبوع الملكة إليزابيت الثانية التي كسرت أرقاماً قياسيّة تاريخيّة. أوّل أمس انتهت الاحتفالات بيوبيل الـ 70 لتربّعها على عرش بريطانيا (1952-2022). تخطّت الملكة فيكتوريا (1837-1901) التي تربّعت على عرش بريطانيا لـ 64 عاماً. ولأنّ الحدث تاريخيّ أُقرّت عطلة لمدّة أربعة أيام. وهي عطلة تاريخيّة في بلد يملك واحداً من أقوى اقتصادات العالم، وكلّ ساعة عمل لها قيمتها بالإسترليني.

للمناسبة أُقيمت الاحتفالات في كلّ أرجاء البلاد. استنفار أمنيّ. التنظيم بريطاني. مضبوط على توقيت غرينتش. لا مجال للخطأ. إغلاق طرقات. رفع رايات. حفلات موسيقيّة. مآدب في القاعات والشوارع. استعراضات عسكريّة وفروسيّة وتاريخيّة. قرع أجراس. فالبريطانيون يحبّون ملكتهم. بحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة The Sun تبيّن أنّ 91.7% يحبّونها. استطلاع ذكّرني بأنطوني، وهو محامٍ وسياسيّ من أبناء رعيّة Letchworth البريطانية التي خدمتها في صيف 2003. سألته عن فائدة وجود الملكة طالما أنّها لا تحكم. فأجابني: “الملكيّة هي رمز البلاد ووحدتها. ونحبّ ملكتنا. رئيس الوزراء عندنا موظّف. لذلك مقرّ رئاسة الوزراء شقّة في 10 Downing Street وليس قصراً”!

كان أجمل وأعظم وأفخم مشاهد الاحتفالات باليوبيل البلاتيني للملكة في الطريق المؤدّي إلى قصر باكنغهام وفي باحته. مئات الجنود بلباسهم الأحمر وقبّعاتهم السود الطويلة. استعرضوا على إيقاع موسيقى فرقة تعزف على نبض ساعة Big Ben. حركة واحدة. خطوة واحدة. حتّى الخيول تستعرض بجلالة لمناسبة اليوبيل الـ 70 للملكة التي تحبّ الفروسيّة منذ صغرها. أحيت دول الكومنولث الـ 54 أيضاً يوبيل ملكتها في احتفالات رسميّة وشعبيّة.

 

ثورات وتواريخ ورؤساء وملوك

70 سنة من ولاية الملكة إليزابيت هي تاريخ من تواريخ. عاصرت الملكة شخصيّات عديدة صنعت تاريخ بريطانيا والعالم. فقد تعاقب على رئاسة الوزراء 14 شخصيّة. أبرزهم ونستون تشرشل، قائد بريطانيا في الحرب العالميّة الثانية، ومارغريت تاتشر، المرأة الحديديّة. وتعاقب على البيت الأبيض 13 رئيساً. استقبلتهم إليزابيت في قصرها. كلّهم انحنوا أمامها (باستثناء جيمي كارتر). رقصت مع جيرالد فورد. وركبت الخيل مع رونالد ريغان.

الملكة إليزابيت هي الوحيدة التي عاصرت 7 بابوات من بين الرؤساء والملوك عبر التاريخ. التقت خمسةً منهم. لقاؤها مع البابا فرنسيس الأرجنتينيّ كانت له نكهة خاصّة. فقد تذكّر العالم حرب الفوكلاند (1983).

خلال ولاية إليزابيت السبعينيّة شهد العالم أحداثاً وثورات غيّرت مجرى التاريخ. فهي عاصرت الثورة التكنولوجيّة التي لا تقلّ أهمّية عن الثورة الصناعيّة. خلال وجودها في باكنغهام بالاس أُسِّس الاتحاد الأوروبي (1956)، وانضمّت إليه بريطانيا (1974)، ثمّ خرجت منه (2016). وسقط جدار برلين (1989) معلناً نهاية الحرب الباردة، فانتقل العالم من نظام القطبين إلى نظام القطب الواحد. كما عرف العالم جائحة كورونا.

ماذا عن لبنان؟

في لبنان أيضاً كسرٌ لأرقام قياسيّة محليّة وعالميّة. الأسبوع الفائت أُعيد انتخاب نبيه برّي رئيساً للمجلس النيابيّ للمرّة السابعة على التوالي. وهو رقم الكمال. فأصبح أوّل رئيس مجلس نيابيّ في العالم يبقى في المنصب طول هذه المدّة. عاصر أربعة رؤساء للجمهوريّة و7 رؤساء حكومات. شهد لبنان أثناء وجوده في الرئاسة الثانية عدّة حروب ضدّ إسرائيل، وانسحاب جيشها من الجنوب، وانسحاب الجيش السوري إثر استشهاد رفيق الحريري. واليوم تشهد البلاد انهياراً كاملاً. بسبب الأزمة، اقتصرت الاحتفالات على حفلة واحدة في ساحة قصر عين التينة. أحيتها فرقة حرس المجلس. رقص أفرادها ودبَكوا على قرع الطبول.

لا فضل لإليزابيت الثانية في تربّعها على عرش بريطانيا 70 عاماً. فهي ورثته. والله أطال بعمرها. بينما لشخصيّة برّي الاستثنائيّة الفضل الأوّل في استمراره في رئاسة المجلس لثلاثين عاماً متوالية (1992-2002) وفي إعادة انتخابه لأربع سنوات مُقبلة. فالرجل محنّك سياسيّاً. “داهية” باللبناني. إنّه اللاعب “الأوّل” في الجمهوريّة الثانية. اُنتُخب رئيساً للمجلس للمرّة الأولى لأنّه رجل سوريا الأوّل في لبنان. واستمرّ في المنصب من دون منازع بدعم واضح من دمشق. بعد خروج الجيش السوري استمرّ رئيساً لمجلس لا يملك فيه فريقه السياسيّ الأكثريّة! وهي مسألة كان يصعب عليّ شرحها للفرنسيّين بعد اغتيال رفيق الحريري، وكنت ما أزال أعيش في باريس. فهو نجح في أن يفرض نفسه لاعباً أساسيّاً لا يمكن تجاوزه لا من قبل شريكه الخصم في الطائفة (حزب الله) ولا من قبل خصومه السياسيّين (14 آذار سابقاً) ولا من قبل الأميركيين ولا الفرنسيين ولا السعوديين ولا غيرهم. كما لا يمكن تجاوزه لا في تشكيل الحكومات ولا في إجراء التعيينات ولا في عقد الصفقات. فهو رئيس السلطة التشريعيّة وشريك أساسيّ في السلطة التنفيذيّة ومرجعيّة وطنيّة يتمّ اللجوء إليها من قبل كلّ الأطراف. له حصّة الأسد في التعيينات منذ أيام الأسد. حتى أصبح له جيش من الموظّفين في الإدارات العامّة. يُدينون له بالوفاء. ما يحلّه في عين التينة يكون محلولاً في الإدارات. وما يربطه في المصيلح يكون مربوطاً في الوزارات.

المجلس سيّدُ نفسه.. وبرّي سيّدُ المجلس

ربّما هي آخر مناسبة تطلّ فيها الملكة إليزابيت البالغة من العمر 96 عاماً. بينما نبيه برّي سيطلّ علينا في العديد من المناسبات والاستحقاقات، وسيكون محور الأحداث في ظلّ فراغَين حكوميّ ورئاسيّ محتمَلين.

 

د. فادي الأحمر – أساس ميديا