ويل لقائد أعمى ويل لتابع أعمى

 

“أتركوهم. هم عميان قادة عميان. وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفر”( متى 14:15)

من أشهر القصص الرمزية قصة الكهف للفيلسوف أفلاطون. يقول أفلاطون انّ البشر في حياتهم العادية مقيّدون في كهف ووجوههم موجهة في اتجاه واحد ليروا فقط انعكاس خيالات الأشياء على حائط الكهف. بالنسبة الى هؤلاء، هذه الخيالات هي الحقيقة البديهية الوحيدة التي يعرفونها. لذلك فهم يقضون حياتهم بمجملها وهم لا يعرفون من الحقيقة إلّا ما انعكسَ منها على الحائط. في يوم ما، يتفلّت أحد الأسرى من قيوده، فيخرج من الكهف إلى الخارج.

 

في بادئ الأمر ينبهر الأسير المحرر من النور الساطع، فإما يعود سريعًا إلى الكهف وعتمته، أو يصبر حتى تصطلح الرؤيا، فيعتاد على رؤية الأمور على حقيقتها بدل انعكاساتها في النفق. يحدث أن يعود الأسير المحرر بعد تجربة الحياة في النور إلى أهل الكهف ليخبر أهله عن حقيقة الأمور، وأن ما يرونه من خيالات ما هي إلا حقائق منقوصة. سيتهمه من لم يخرج أبدًا إلى النور بأنه جاهل أو كافر أو منحرف أو خائن لأنه يشكّك في ما هو بديهي من الأمور. في هذه الحال، فقد يهجر المتنوّر قومه ليسكن في النور ناسيًا الكهف وأهله، أو قد يرضى بالعودة إلى الكهف ليرى الانعكاسات كما يراها أقرانه، حتى وعن غير اقتناع، لمجرد التطابق والانسجام مع أهل الكهف، تفادياً للمواجهة المضنية أو الهجرة.

 

من جمال البديهي اليومي العادي هو كونه لا يحتاج للجدال والنقاش وإعادة التفكير في كل مرة. فالبديهي لا يحتاج لأن يكون حقيقة علمية ولا يحتاج عادة لإثبات ولا حتى إلى تفسير لأسبابه، فهو بديهي. ويبقى البديهي حقيقة ثابتة لا تحتاج لأي إثبات إلى أن يتعطل يوماً عن العمل. هنا فقط يدخل البديهي إلى دائرة التساؤل للبحث عن سبب العطل، وبالتالي يخرج من مخزن الحقائق المطلقة. في مثل نعيشه يوميًا تأتي مسألة الكهرباء. فوجود الكهرباء على مدار الساعة بديهي في القرن 21. لكن عندما تغيب الكهرباء لسبب ما، تخرج من كون وجودها أمرا بديهيا، لتدخل في دائرة المُساءلة عن أسباب الانقطاع وطريقة الحصول على بدائل وعن معامل الطاقة وكيف تعمل وعن الفارق بين الغاز والفيول وعن الطاقة الشمسية… ومن البديهي أيضًا وضع المسؤول عن وزارة الطاقة عندها في دائرة الشك والبحث في أسباب فشله في تأمين ما كان بديهيًا، أي الكهرباء من دون انقطاع! لكن الإشكال يقع عندما يكون القوم عميانًا يقودهم أعمى. عندها، فبدل أن توضَع مسألة العطل في موضع المساءلة للمحاسبة وللإصلاح، سيبحث القائد الأعمى عن كبش محرقة على طريقة «ما خلّونا»، وسيُصدّق قوم التابعين العميان قول القائد ليتبعوه من غير هدى.

 

لن أستثني أحدًا بعد اليوم من دائرة المساءلة، فالبديهي هو أن يكون القائد مبصرًا لأقصى الحدود، وأن تكون بصيرته نافذة ليستحق شرف القيادة ومسؤوليتها. فقد أثبتت كل التجارب الانتروبولوجية حاجة المجموعات للقيادة لكي تتبعها بلا عناء المسؤولية عن القرار لدى العامة في كل لحظة من المسار اليومي العادي. وطالما أن هذا المسار قائم بلا إعاقة أو عطل، فستكون قيادة القائد معفية بديهيًا من المساءلة.

 

في حمأة الخيارات المتضاربة، لم يكن كل التابعين للقائد عميانًا، وبعض هؤلاء المفتّحين كانت لديهم البصيرة أيضًا ليعلموا بعقم القيادة، وربما حاول البعض التنبيه والسعي إلى إصلاح أو تعديل المسار، أو حتى العودة إلى نقطة البداية بعد أن تبين أن الطريق مسدود، وعلى رغم من أنهم لم يلقوا آذانًا صاغية، استمروا في المماطلة والسكوت عن عمى القائد وعقمه في القيادة، تحت شعار وحدة الجمهور وعدم زعزعة الثقة بالقائد الوحيد الذي مَنّ علينا الدهر به. لهؤلاء، وانا منهم، لا تعفي هذه الحجة أحدنا من المسؤولية، فنحن مشاركون في استدراج الناس إلى الكارثة، فليس الحق على مَن تبع القائد وهو لا يعرف، بل الجريمة هي في أن نعرف ونسكت كشيطان أخرس.

 

د.مصطفى علوش