مغادرة عون الرئاسة: القطار أقلع؟

اخذت غالبية البعثات الديبلوماسية الاجنبية ولا سيما المؤثرة منها علما برغبة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مغادرة الرئاسة فور انتهاء ولايته في ٣١ تشرين الاول المقبل وعدم البقاء في قصر بعبدا ايا يكن مآل الامور اي اذا اجريت انتخابات في مهلة الشهرين لانتخاب رئيس جديد تبدأ في مطلع ايلول او لم تجر وساد الفراغ الرئاسي مرة جديدة . اذ ان ما نقل عن لسان عون قبل اسابيع كان بمثابة التبليغ الذي يعلن انطلاق قطار لا يمكنه العودة الى الوراء. فالكلام الذي لوح به رئيس التيار العوني جبران باسيل عن بقاء الامور على حالها في حال بقيت حكومة تصريف الاعمال او وجهات نظر اخرى تصب في الخانة التي لا تؤثر في ما باتت هذه البعثات تدركه من ان لا استمرارية محتملة لعون في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته ولا يمكن في ضوء ذلك استحضار فتاوى دستورية غب الطلب تلبية لذلك.

فهناك اسباب موضوعية تبدأ من ان التغيير الذي حفزته انتخابات نيابية جرت على رغم ارادة قوى سياسية ابقت علامة الاستفهام حول الانتخابات حتى قبل موعد اجرائها باسابيع قليلة لا ينحصر فيها باعتبار ان استكماله يفترض ان يطاول الرئاسة الاولى . اضف الى ذلك اعتبارات منطقية من بينها : ان غالبية المخاوف من سيناريوات بقاء عون مبنية على تجربة ١٩٨٩ حين رفض عون مغادرة قصر بعبدا على امل الضغط لانتخابه رئيسا . ولكن ظروف ١٩٨٩ ليست هي نفسها راهنا في ظل اعتبارات خارجية واخرى داخلية . اذ يرجح ان ايا من الدول لن تتواصل مع عون او تعترف ببقائه في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته فيما لو حصل ذلك تحت ضغط محيطه مثلا .لا بل ان الاطلاع على جدول اعمال رئيس الجمهورية يظهر تراجعا كبيرا لا سيما منذ سنتين على الاقل فيما لفت كثر عدم زيارة اي نائب جديد قصر بعبدا بعد الانتخابات النيابية او نائب او وزير سابق باستثناء قلة نادرة . فيما ان الاعتبارات الداخلية تبدأ من عدم وجود اصوات كافية في مجلس النواب يمكن ان تسير في التمديد لرئيس الجمهورية لا سيما اذا اضيفت كتلة الرئيس نبيه بري الى كل الكتل الاخرى او المستقلين نظرا الى ان التباعد بين الجانبين ترك اثارا عميقة اضافية في مسار الانتخابات النيابية ونتائجها. اذ ان محاولة رأب الصدع من ” حزب الله” بين حليفيه الشيعي والمسيحي لم تكن ناجحة بالمقدار الذي عول عليه لا سيما في ظل محافظة الاخير على خطاب كما لو ان الانتخابات رفقة طريق على ان يحصل الانفصال لاحقا. ولذلك فان مبادرة عون الى الاعلان عن مغادرة قصر بعبدا مع انتهاء ولايته كان امرا ايجابيا تم تلقفه والبناء عليه على قاعدة ان الفراغ قد يكون مرجحا ولكن بقاءه سيخلق مشكلة اكبر من حيث ان رسالة عدم التغيير او رفضه ستكون بالغة السلبية .

ثمة اقتناع ديبلوماسي بان الانتخابات الرئاسية قد تكون صعبة الحصول جدا في موعدها ولكن لا يتم القفز سريعا الى هذا الاستحقاق وتجاهل ضرورة تأليف حكومة جديدة لئلا تتجاهل القوى السياسية هذا الاستحقاق الاخير ولا تعتبر ان هناك اهتماما في شأنه على عكس ما هو مطلوب نظرا الى اهمية وجود حكومة فاعلة تواصل تنفيذ التزاماتها مع صندوق النقد الدولي. ولكن لن يلبث الاستحقاق الرئاسي ان يبرز الى العلن فور اتضاح الاستعصاء الحكومي وتضاؤل المدة الفاصلة عن بدء مهلة انتخاب رئيس جديد وتحول المجلس النيابي الى هيئة ناخبة . وثمة اعتقاد مواز بان نتائج الانتخابات تركت انعكاسات على مرشحين محتملين ولا سيما لجهة استبعاد غالبية من يتم التداول باسمائهم سواء من فاز او من خسر منهم . وذلك علما ان نسبة حظوظ البعض قد تكون افضل من البعض الاخر ولكن من دون ان يعني ذلك وجود فرصة حقيقية . ولكن المشكلة الرئيسية ستكون في اقتناع هؤلاء بداية بمسار صعب لاقتناع كل منهم باستحالة الوصول قبل التحول الى الاقتناع بعدم تعطيل وصول منافس او التحول الى صناعة او تذكية اي شخصية مقبولة وتوافقية يمكن ان تحظى بفرصة الوصول. وثمة رفض بديهي لعدم الدخول في اسماء محتملة بديلة من تلك التي اما تروج لنفسها او هي تروج لاسماء معينة بغية حرقها مسبقا على افتراض ان هذه الانتخابات تتصاعد وتيرتها وراء الكواليس.

وفي غياب رجال دولة يمكن ان يقيموا جسرا للحوار محتملا بين الافرقاء السياسيين وفي ظل الاعتماد فقط على وساطات خارجية للقيام بذلك لا سيما ان الدعوات للحوار ،صحت او لم تصح ، تجري على المنابر وفي الخطابات في اطار تبرئة الذمم ورمي الكرة في ملعب الاخرين بدلا من قيام وساطات حقيقية بعيدا من الاضواء من اجل ذلك، فان الافق مسدود امام مخرج للاستحقاق الرئاسي من اجل نقل البلد الى اجواء سياسية اخرى . وثمة خشية ديبلوماسية من ان الضغوط الخارجية لو توافرت قد لا تساهم في الوصول الى ذلك قياسا الى الانخراط الفرنسي في الدفع الى تأليف حكومة بعد انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠ ومقاومة اهل السلطة ذلك ل١٣ شهرا بعد انفجار تاريخي وانهيار تاريخي ايضا . والخشية من ان عبور موعد انتخاب رئيس جديد من دون انتخابه يرجح ان يربطه اهل السلطة باستحقاقات خارجية قد تبدأ مجددا بتطور العلاقات بين الولايات المتحدة وايران او بين هذه الاخيرة ودول الخليج وفي مقدمهم المملكة السعودية ولا تنتهي بمصير النظام السوري او الانتخابات الرئاسية الاميركية مجددا .

 

روزانا بومنصف – النهار