مأزق “العونية” يشتد مسيحياً ولبنانياً

تتحضر القوى السياسية والطائفية للانتخابات النيابية وتعتبرها استحقاقاً مهماً يحدد ملامح المرحلة المقبلة وتوازناتها، فيما يخوضها البعض كمسألة وجودية. وفي المقابل تشتد الأزمة الداخلية على وقع الصراع المستمر وعجز الحكومة عن التقدم في مشاريعها ومعالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، ووقف الانهيار. وبات واضحاً أن الزخم الذي اكتسبته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تراجع وسقطت معه كل الرهانات في أن تكون حكومة انقاذ. فالمشاريع الاصلاحية المطلوبة دولياً لم تقر، حتى في ما يتعلق بالاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي. الحكومة ستتحول إلى تصريف الاعمال بعد 15 أيار 2022 أي بعد إجراء الانتخابات النيابية،وبات تركيز القوى السياسية والطائفية في لبنان على المرحلة المقبلة، إن كان في تسمية رئيس مكلف للحكومة ثم تشكيلها والتحضير لمعركة انتخابات رئاسة الجمهورية،حيث تسعى أطراف إلى الحصول على الاكثرية لفرض تسويات لصالحها مستندة الى فائض القوة واختلال التوازنات لا سيما “حزب الله” وفريقه الذي يريد أن يكرّس الأمر الواقع والهيمنة القائمة على الرغم من غرق البلد كله في أتون الانهيار.

وبينما تبدو كل القوى اللبنانية في مأزق، ولا تستطيع أن تتقدم بمشاريع حلول للأزمة والانهيار، يظهر أن التيار العوني هو الأكثر تأزماً بسبب الضمور الذي يلحق بقواعده نتيجة السياسات التي اتبعها وفشل العهد الذي يمثله في نقل البلد الى مرحلة التعافي، لا بل سقط لبنان كله في الانهيار ولم يعد من طريق للحل الا بتسويات إقليمية ودولية ورعاية خارجية لانتشاله من أزمته. وفي المقابل يبدو “حزب الله” الطرف القادر على فرض هيمنته على الرغم من أنه يعاني أيضاً ولا يستطيع أن يقدم مشروعاً للحل طالما أن حساباته الأساسية إقليمية وترتبط بالمشروع الإيراني، وإن كان يمثل بيئة أهلية لبنانية كبرى. لكنه يُفصح أكثر عما يريده للنظام اللبناني مستقبلاً، فهو ينتقل إلى مرحلة جديدة حيث ستكون الأشهر المقبلة فترة تهيئة للإمساك بكل مفاصل السلطة، فيخوص معركة الانتخابات دعماً لحليفه التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية ميشال عون في محاولة لفرض أمر واقع جديد متسلحاً بقوته وبالدعم الإيراني اللامتناهي.

يخوض “حزب الله” معركة الانتخابات وهو يدرك أن التيار العوني يعاني من حالة ضمور، في البيئة المسيحية وأيضاً على المستوى اللبناني العام. وهذا التيار الذي حصل على أكبر كتلة نيابية ومقاعد مسيحية في البرلمان عام2018، لن يتمكن هذه السنة من الحصول على النتائج نفسها، فهو ليس بالقوة ذاتها وبات خصومه يشكلون قوة كبيرة في الساحة المسيحية، بمن فيهم المستقلون أو أسماء كان تحالف معها التيار في 2018 لكنها اليوم تواجهه، من كسروان الى البقاع وزحلة والشمال،إضافة الى أن بنيته الداخلية تخلخلت وفقد مواقع كثيرة على أكثر من جبهة ومحور وساحة.

إذا كان الهدف الأساسي في المرحلة الحالية يبقى بالنسبة إلى “حزب الله” الحصول على الاكثرية، وهو ما كان أعلنه أمينه العام السيد حسن نصرالله،خلال لقائه الماكينات الانتخابية أخيراً، إلا أنه يصطدم بالضعف الذي يعانيه التيار العوني، لذا يرسخ مواقع نفوذه، لدعم التيار وحلفائه، بكل ما أتيح من قوة للتحكم بكل الاستحقاقات، واستخدام أكثريته عند الحاجة، فهو يعرف أنه أذا لم يحصل على أكثرية فيها وزن مسيحي وتمثيل كبير لن يتمكن من تغيير الوقائع الراهنة ولا القدرة على نسف الصيغة نهائياً. فطموح الحزب أن يأتي برئيس للجمهورية، لكنه لن يتمكن من ذلك حتى بأكثرية مريحة ما لم تكن محصنة مسيحياً. وأكثر ما يستطيع فعله في ظل التوازن الطائفي اللبناني أن يرجح اسماً لا بد من ادراجه ضمن تسوية برعاية إقليمية، وللتمكن من ذلك يمكن تعطيل المؤسسات وتركها عرضة للفراغ كما حدث بين 2014 و2016 إلى أن تم انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية بتسوية مع المكوَن السني الذي كان الأقوى فيه سعد الحريري.

تختلف انتخابات اليوم عن نسخة 2018، فبقدر القوة التي أضيفت الى”حزب الله” وهيمنته، إلا أنه في المقابل بدا الضمور واضحاً في قوة التيار الوطني الحر. كذلك يغيب المكوّن السني الأقوى الذي كان يتزعمه سعد الحريري المقاطع للانتخابات والعمل السياسي. لذا سيكون الشغل على البيئة السنية لنيل مقاعد أكثر، وتجييرها للتيار العوني. لكن العونيين خسروا في البيئات الطائفية الاخرى،على الرغم من أن الحزب يحاول التمدد فيها. ويمكن القول أن التيار العوني كان وصل الى ذروة قوته في 2016 عند انتخاب ميشال عون رئيساً بقوة ودعم “حزب الله” بعد سنتين من الفراغ الرئاسي، وقطف ثمار هذه القوة في 2018، ثم بدأ التراجع بعدها والضمور من موقع الرئاسة أولاً ثم في البيئة الداخلية للتيار وصولاً إلى الساحة المسيحية. ولم يعد المسيحيون اليوم والقسم الأكبر من اللبنانيين يثقون بالتيار العوني، ليس بسبب تحالفه فقط مع “حزب الله” وتغطيته له، إنما في السياسات التي قدمها وممارساته التي أبعدت حتى أقرب الحلفاء. ولم يحقق التيار مع رئيس الجمهورية أي بند من الشعارات التي رفعها، لا بل انزلق البلد الى الجحيم.

معركة دعم الحزب للتيار العوني مصيرية. ضغط “حزب الله” على حركة أمل للتحالف انتخابياً مع التيار ودعمه، وجمع المتناقضات في ساحة الممانعة مسيحياً، وذلل الخلافات حول تشكيل لوائح مشتركة في عدد من المناطق، وهو يخوض المواجهة دعماً للعونيين في كل الدوائر التي له تأثير فيها وحتى نيابة عن التيار لإيصال مرشحيه ونيل الأكثرية. وايضاً في البيئات الطائفية الاخرى، من جبل لبنان والشوف وبعبدا الى بعلبك – الهرمل، وصولاً الى الشمال، وإن كان الصوت السني هناك متأرجحاً بسبب غياب المرجعية السنية التي كان يمثلها الحريري. لكن السؤال يبقى، هل يتمكن الحزب من نيل الأكثرية في ظل الضمور العوني؟ ثم تكريس نفوذ قوى الممانعة على كل مفاصل الدولة. سيتبين ذلك بعد انجاز الانتخابات النيابية، وإذا لم يتحقق ذلك لتحالف الحزب والعونيين، فإن البلد سيدخل بمرحلة من الفراغ يعود خلالها “حزب الله” الى رفع سقف شعاراته المتعلقة بالمنطقة. وإلى أن يتم الاتفاق على اسم لرئاسة الحكومة سيعيش البلد مخاضاً حتى انتخابات رئاسة الجمهورية، والمتوقع أنتتكرر مرحلة 2014 عندما بقيت حكومة تمام سلام تصرف أعمال البلد لمدة سنتين، انما اليوم يحدث ذلك ولبنان في الجحيم.

 

 

ابراهيم حيدر – النهار