لا أرانب بعد اليوم؟

ما هو الدور الذي يمكن لرئيس البرلمان نبيه بري أن يلعبه خلال الدورة البرلمانية المقبلة، وتمتد على أربع سنوات أخرى، بعد أن يُنتخب لولاية سابعة غداً وتجري عراضة إطلاق النار الكثيف في سماء العاصمة وضاحيتها كما كل 4 سنوات؟

فالرئيس بري كرّس في العقدين الماضيين صورة حلّال المشاكل، تارة عن لعبه دور «صمام الأمان» في العلاقة بين سائر الأطياف اللبنانية، وأخرى لدوره في «تدوير الزوايا» وثالثة كمبتدع «المخارج من المآزق»، فسهُل وصفه بكل هذه الأوصاف التي تدل على إتقانه اللعبة السياسية الداخلية، على رغم دخول السلاح كعنصر مقرر عليها.

لكن المسرح السياسي الداخلي تبدل كثيراً في السنتين الماضيتين، نتيجة عوامل عدة أولها الانهيار الاقتصادي المالي وانعكاسات تبدل المزاج الشعبي والشبابي الناقم على الطبقة السياسية الحاكمة برمتها، في الانتخابات النيابية. فأركان هذه الطبقة عجزوا كلياً عن اتخاذ ولو تدبير واحد من الإجراءات العملية المطلوبة لخفض آثار الأزمة على الوضع المعيشي، مهما كانت الادعاءات عن الإنجازات والقوانين التي أقرت.

ومثلما سيفرض بدء البرلمان الجديد دورته، التحدي على النواب الجدد الذين باتوا تحت قبة البرلمان، أن يحدثوا فرقاً بعد إزالة الحائط الإسمنتي الذي حال دون اقتحام الثوار الغاضبين ساحة النجمة، فإنه يطرح على بري تحدي التعاطي مع وجودهم، كونه تعبيراً جوهرياً عن التبدل في المزاج الشعبي والشبابي حيال الطبقة السياسية. ومثلما لبري حلفاؤه فإن لهؤلاء إمكانية صوغ التحالفات مع الكتل التي تلتقي وإياهم. لكن التحالفات في البرلمان الجديد لن تعكس بالتأكيد تلك التي حكمت الانتخابات بدءاً بافتراق «التيار الوطني الحر» عن بري. ويحتم ذلك أن تعكس إدارة بري للبرلمان ذلك الموقف من جهة وغياب تكتل نيابي أكثري واضح، من جهة ثانية، ما ينبئ، حسب نواب مخضرمين، باحتمال الفوضى التشريعية، وغلبة تصفية الحسابات، لا سيما بين الكتلتين المسيحيتين الكبريين، أي «القوات اللبنانية» و»التيار الحر». وحتى لو حصلت مقايضة تفضي إلى انتخاب كتلة «التيار الحر» (17 نائباً) بري للرئاسة وتعطيه رقماً عالياً، مقابل تصويت كتلة بري (15 نائباً) للنائب الياس بوصعب نائباً للرئيس، فإن هذا لن يلغي مفاعيل الاعتراض على رئاسة زعيم حركة «أمل» الذي ظهر في مواقف جبران باسيل وسمير جعجع، والكتلة التغييرية، وبعض النواب المستقلين. وينتظر أن يشهد البرلمان مشاحنات جراء ذلك، وصداماً كلامياً بين نوابه وهؤلاء. فأي حلول سيتمكن البرلمان من صياغتها في هذه الحال إذا كانت الجدران التي كانت أقامتها شرطة المجلس خارجه ستنتقل إلى داخله؟

كان الرئيس بري يتمتع في السنوات السابقة بميّزات الرمز الشيعي المنفتح والمفاوض والمحاور والمستمع إلى من يخاصمون «الثنائي الشيعي»، والمقبول من القوى الخارجية كلاعب وركن يمثل الطائفة في السلطة. وهو لعب هذه الأدوار كافة بما له من دالة على الركن الثاني في الثنائي، «حزب الله»، نظراً إلى الشعبية التي يتمتع بها في الجنوب كونه ساهم في نهضته العمرانية على الرغم من الانتقادات التي تعرض لها. إلا أن عوائق استمراره في لعب الدور استناداً إلى هذه الصفات سيواجه هذه المرة صعوبات تطرح الشكوك حول مدى قدرته على الاضطلاع به.

أولى هذه الصعوبات أن حليفه «حزب الله» صعّد التعبئة السياسية التي رافقت الانتخابات، بتخوين خصومه واتهامهم بخدمة إسرائيل وأميركا بفعل طرحهم مسألة السلاح، وصولاً إلى ربط موقع الطائفة الشيعية في السلطة بهذا الخطاب السياسي، ما يضيق هامش الحركة على بري ويهدد بإسقاط موقعه كصمام أمان لعلاقته بسائر المكونات اللبنانية انطلاقاً من قناعته بالعيش المشترك وبضابط الإيقاع الوحيد المتوفر لتلك العلاقة، أي اتفاق الطائف. فالموجب الرئيس لتصعيد الحزب خطابه، خارجي يقفز فوق موجبات التركيبة اللبنانية، هي حاجة إيران إلى ورقة سلاحه في مواجهتها مع أميركا من فيينا إلى سائر ميادين الصراع الإقليمية من سوريا إلى العراق واليمن وغيرها. إحجام الحزب عن الأخذ بما يرتبه غياب الإجماع على سلاحه يزيد من صعوبة دور حليفه بري.

والصعوبة الثانية التي تواجه بري أنه كان يستند في المبادرات التي يطلقها لتدوير الزوايا إلى ركيزتين: علاقته بزعامة المكون السني، أي الحريرية السياسية التي مثلها زعيم تيار «المستقبل» الرئيس سعد الحريري، فيما أدى تعليق الأخير عمله السياسي إلى غياب هذه الركيزة، التي ساهم «حزب الله» في إضعافها ومعها رئاسة الحكومة. والركيزة الثانية هي زعيم المكون الدرزي رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، الذي يفتقد بدوره إلى التحالف مع الحريري على رغم تموجات هذا التحالف، ويحد من قدرته على الحركة هو الآخر، لا سيما بعد أن اضطر للتشدد في تعبئة جمهوره في مواجهة مساعي الحزب لتحجيم تمثيله.

أما الصعوبة الثالثة فهي اضطرار الحزب، في دفاعه عن موقعه، إلى التماهي مع الفريق الرئاسي الحاكم والرئيس ميشال عون حتى نهاية العهد وبعدها، لأنه الفريق الذي يستند إليه الحزب في تغطية دوره الإقليمي، في انتظار تسوية ما على الرئاسة، وهو أمر خلق صراعاً مسيحياً حاداً لبري موقف سلبي من أحد طرفيه، هو حليف الحزب «التيار الحر».

هذه الصعوبات وغيرها ستضعف من قدرة بري على سحب «الأرانب» من كِمِّه، وتنذر بإضعاف دور الرئاسة الثانية، أسوة بما حل بالرئاستين الأولى والثالثة.

 

وليد شقير – نداء الوطن