قبل “الترهيب” وبعده…!

غالباً ما دأبنا، منذ ثلاثة عقود تماماً بعد عودة الانتخابات النيابية الى لبنان في عام 1992 عقب الحرب وبدء عصر الطائف، على مواكبة نتائج الانتخابات بالسؤال: ماذا عن اليوم التالي؟ وغالباً ما كانت النتائج نفسها تجيب عن السؤال من دون حاجة الى استفاضة لأن حقبات الزمن الأول من الطائف كانت موصومة بالوصاية الاحتلالية السورية فلا تكلفك معرفة اتجاه البلاد أيّ عناء في ظل مجالس نيابية مماثلة للحكومات والعهود المعيّنة على يد الوصيّ.

أما ما بعد جلاء الوصيّ وانسحابه من لبنان فصار السؤال متصلاً بعمق مختلف ودلالة أشدّ إلحاحاً لأن الانقسام العمودي بين معسكرين استقطبا معظم اللبنانيين وصارت الانتخابات تعكس مرحلة الصراع الحاد على التوازنات لحكم البلد في ظل سياسات الإنكار التي مارسها فريق “الممانعة” حيال نقل الوصاية من سورية مباشرة الى إيرانية مقنعة ومن ثم مكشوفة تماماً وسط تباهي جنرالات إيران ومسؤوليها بأن بيروت هي امتداد لعواصم نفوذها في المنطقة. وبإزاء ذلك راح “اليوم التالي” غداة الانتخابات منذ 2005 يتخذ طابع الجولات المضنية في السلطة والسياسة فلا أكثريات 14 آذار حكمت كأكثرية بفعل التعطيل المستقوي بالسلاح والترهيب، ولا أقلية 8 آذار تمكنت من إتمام مشروعها الانقلابي الدائم الأبدي بفعل التوازن الذي واجهها به الخصوم.

الآن، عند صياح الديك هذا الصباح، أغلب الظن أن لبنان سيكون أمام لوحة مختلفة ومغايرة لتلك التجارب بحيث سيغدو ضرباً من المغامرة المتسرعة والمرتجلة لنا ولسوانا أن نجزم على وقع تلقي النتائج الأولية للانتخابات، بطبيعة اليوم التالي هذا بعد إعصار الانهيار التاريخي الذي جرت في ظله وتحت وطأته الانتخابات.

في هذه اللحظات سيكون ثمة منتشون بأكثرية فائزة وواقعيون قابلون بتحقيق أقلية فاعلة وخائبون يجمعون شتات الأسئلة عمّا أودى بهم الى الهزيمة. ولكن، مهما يكن حجم الأكثرية وحجم الأقلية، فستحمل الانتخابات الأولى بعد الانهيار حقيقة لن يكون الإقرار بها سهلاً ومتاحاً قبل أن تبرد الساحة وتعود العقول الى التحكم بالانفعالات. إن لبنان الانهيار، “قبل” الانتخابات كما “بعدها” بلغ في انهياره القعر الأخير ولم يعد يحتمل ولا يمكن أن يكون أرضية راضخة لحكم انهار تحت سياساته ويتمدّد مجدّداً بأكثرية مستعادة سواء كانت أكثرية كاسرة أو هشّة خصوصاً بعد ممارسات الترهيب الموصوف التي انتهك عبرها الثنائي الشيعي الانتخابات بأفدح الأشكال.

بمعنى أوضح، إن وقائع الانهيار لا دلالات الأكثرية والأقلية وما بينهما ممّا ننتظر استكمال صورته في الساعات الآتية ستضع الجميع أمام السؤال: أيّ لبنان سيصمد وبأيّ وسائل إن لم تتبدّل جذرياً بعد الانتخابات معالم السياسات التي اعتمدتها السلطة الحاكمة الحالية إذا فازت مكونات هذه السلطة بالأكثرية مهما يكن حجمها؟ ثمّ أيّ برنامج تنفيذي جدّي لأقلية أو مجموعة أقليات قد تفضي إليها الانتخابات لمواجهة سلطة الاستقواء بالتبعية لمحور خارجي وبخلل التوازن الداخلي وبالترهيب المتواصل إذا ما تكرّس ذلك بنتائج الانتخابات؟

إن لبنان الآن، حتى إشعار آخر، هو تحت أحكام الانهيار وحده ولن نتوهّم أيّ تغيير ما لم نتلقّ بعد الانتخابات معالم استشعار الخطورة الفائقة التي ستضع لبنان في أسوأ ممّا كان عليه قبلها وإن لم نكن أمام برلمان لبناني صرف في البعد الانتمائي لهويّة لبنان في المقام الأول وبمعزل عن أيّ اعتبار. وإلا فعبث

 

نبيل بومنصف – النهار