ردّاً على الحزب: “المقاوِم” ديغول حَكَم.. وتنحّى أمام “الثورة”

بينما كان ابنها يلعب مع ابني مالك في ساحة الكنيسة، سألتني ريتا: “لماذا غداً يوم عطلة؟”، أجبتها: “إنّه عيد التحرير، 25 أيار”. هزّت برأسها متأفّفة. وراحت تفكّر في برنامج لابنها غداً.

أن تنسى ريتا، ولنقلها صراحة، أن لا تعنيها ذكرى 25 أيار، لا يعني تنكّرها لمئات الشهداء الذين أنجزوا التحرير، ولا لمئات المعوّقين، ولا لدموع أمّهاتهم وتنهّدات آبائهم. ولا يدلّ على نقصٍ في وطنيّتها. إنّما هو خطأ حزب الله الذي لم يجعل من التنظيم، الذي ادّعى أنّه مقاومة، مقاومة وطنيّة. وهذا الخطأ بدأ منذ التأسيس.
إنّ تأسيس حزب الله أتى نتيجة قرار إيرانيّ اتّخذه الإمام الخميني بهدف نشر الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وتعاليمها وبسط نفوذها في المنطقة. وهو منذ الأساس حزب دينيّ – إسلاميّ – شيعيّ – مؤمن بولاية الفقيه، عقيدة الثورة الخمينيّة في إيران. بالتالي فإنّ الحزب، منذ بدايته، ليس وطنيّاً لا في تأسيسه ولا في اسمه ولا في رايته ولا في عقيدته ولا في قيادته، ولو أنّ أعضاءها لبنانيّون. بالتالي من الطبيعي ألّا يحصل على إجماع وطنيّ في بلد متعدّد دينياً وطائفياً ومذهبياً. حتى الشيعة لا يؤيّدونه كلّهم، ولو دعموه وأيّدوه في فترة من الفترات، من جهة بسبب عقيدته الدينيّة “الولائية”، التي لا يؤمنون بها، ومن جهة أخرى لأنّ مشروعه ليس شيعياً – لبنانياً، إنّما هو مشروع شيعي – إيراني في مواجهة الشركاء في الوطن والأشقّاء في المنطقة.

ديغول.. وحكم “المقاومة”

في خطاب المناسبة أمس، قال السيّد نصرالله: “المقاومة الوحيدة التي انتصرت ولم تحكم هي المقاومة ‏في لبنان..”. كلام ذكّرني بلقائي أحد قياديّي الحزب في عام 2004، وقوله إنّ مقاومة حزب الله لو وُجدت في بلد غير لبنان لكانت تسلّمت الحكم بعد التحرير كما حكمت المقاومة الفرنسيّة بقيادة شارل ديغول فرنسا بعد تحريرها من الألمان. فاتَ محدِّثي، كما فاتَ حسن نصرالله، أنّ ديغول ترك السلطة في 1969، بعد عام من خروج الفرنسيين في تظاهرات 1968 الشهيرة. المقاومة الفرنسيّة لم تكن مرتهنة لا لبريطانيا ولا للولايات المتحدة الأميركية. وبعد تسلّمها السلطة قامت بإعادة بناء فرنسا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وإقليمياً جعلت من فرنسا أحد أعمدة الاتحاد الأوروبي، أكبر مشروع جيوسياسي في تاريخ أوروبا.

في المقابل ماذا فعل حزب الله بعد التحرير، وتحديداً بعد خروج الجيش السوري من لبنان؟ لم يتسلّم السلطة مباشرة، لكنّه هَيمَن عليها وعلى قرارها بقوّة السلاح. وهذا أسوأ. فهو دمّر النظام السياسيّ اللبناني بعدم اعترافه بالأكثريّة النيابيّة وبتعطيلها. وأغلق وسط بيروت وشلّ حركته التجاريّة والسياحيّة. وعزل لبنان عن محيطه الإقليمي العربي.

كرّر السيّد نصرالله في خطابه أمس أنّ الحزب دخل الحكومة والبرلمان لـ”حماية ظهر المقاومة”! كلام واقعي. لكنّه يؤكّد ضعف حزب الله لأنّ “المقاومة” التي لا تأمن شعبها على ظهرها، تكون نهايتها قد اقتربت.

عندما صاح مئات الآلاف في 14 آذار 2005: “سوريا برّا”، أدرك الحزب تراجع شعبيّته. افتعل حرب تموز 2006. فارتدّت عليه بسبب حجم الدمار الهائل الذي خلّفته. وقال السيّد حينها: “لو كنت أعلم”. بعدها راح يستعمل سلاحه ضدّ شعبه حمايةً لسلاح المقاومة وظهرها! ندوب 7 أيار لا تزال ظاهرة على جسد بيروت. ولائحة الاغتيالات طويلة. ومشهد اعتداء القمصان السود بالعصيّ على ناشطي “17 تشرين” في وسط بيروت لا يزال ماثلاً أمام أعين اللبنانيين.
خسارة البرلمان

بالأمس حصد حزب الله نتيجة كلّ سياساته هذه. خسر الأكثريّة النيابيّة في البرلمان. وخرقت قوى “17 تشرين” لوائحه في الجنوب. وفاز مرشّح القوّات اللبنانيّة في بعلبك – الهرمل للمرّة الثانية على التوالي. وللمناسبة هذه كانت “مقاومة لبنانيّة”، وشعبيّتها في ازدياد ليس فقط في بيئتها المسيحيّة، إنّما في كلّ البيئات، ومنها البيئة الشيعيّة. ادّعاء الحزب الفوز بكلّ المقاعد الشيعيّة، مع رفيقه في الثنائي، هو ادّعاء ساقط لأنّه تمّ بالتهديد والاعتداء على المرشّحين الشيعة خارج لوائحه.
نتقال الأكثرية النيابيّة إلى المعارضين لسلاح حزب الله مع التغييريّين الذين يعارضونه بغالبيّتهم، يؤكّد أنّ اللبنانيين لا يريدون فقط التخلّص من المنظومة الحاكمة، إذ كان تصويتهم من أجل التحرّر من سطوة سلاح الحزب أيضاً.

قبل أن تغادر، سألتني ريتا أن يلتقي ابنها مع مالك ليلعبا معاً يوم عطلة “عيد المقاومة والتحرير”.

 

د. فادي الأحمر – أساس ميديا