“جاءنا عزيز كتابكم…”!

لن نخفي شعوراً بالشماتة، على بشاعة الشماتة، حيال المراهنين المتسرعين على “حكمة” تأخذ بـ”حزب الله” أو حليفه “التيار الوطني الحر” الى التخلي عن نمط المكابرة الملاصق لطبيعة الثقافة السياسية لديهما وتالياً الالتفات ولو مرة الى الحقائق بعمقها. ذلك أن هذين الحليفين، قبل وبعد وبمعزل عن “تفاهم مار مخايل”، تجمعهما هذه المأثرة التي تقوم على استسهال تخوين أي “آخر” حتى الحلفاء، حين تنقلب الأحوال ويتفرّق العشاق، ولا حاجة بنا إطلاقاً الى سوق مئات النماذج، فكيف حين يواجهان صفعة “استراتيجية” بحجم إسقاط الهيمنة السياسية لتحالف 8 آذار على مجلس النواب المنتخب وانبثاق واقع يشكل إنذاراً غير مسبوق حيال هيمنة الحزب تحديداً على مجمل السلطة؟

بطبيعة الحال، لم يتأخر الرد الخشبي على لسان كبير النواب المستعادين لدى “حزب الله”، الذي للمناسبة يعاند ويأبى الاعتراف بالتغيير الى حدود أنه يضنّ على بيئته بالذات بتقديم نسبة مرموقة من رعيل جديد من نوابه. والرد بوتيرة التخوين الجاهزة والتهويل بالقوة الترهيبية لم يكن إلا إثباتاً لرؤية الحزب الحديدي الى نتائج الانتخابات لدى خصومه كانقلاب أحمر متوهّج عليه وعلى حليفه من البيئات المتنوّعة في البلاد خصوصاً بعد ذلك “العرض الديموقراطي” الفوّاح الذي قدّمه الحزب في الاحد الانتخابي عبر “مطاردات” ترهيبية لمندوبي نائب القوات اللبنانية في البقاع الشمالي على امتداد بعلبك – الهرمل وصولاً الى زحلة.
ولكن الحزب يستحيل عليه التعامل مع خصومه الداخليين بغير التخوين واستحضار الرشق “بالصهينة” المعلبة تجاه القوات اللبنانية في المقام الأول ومن ثم سائر مكوّنات 14 آذار سابقاً وعبرهما تجاه كل من وما ينذره بأن التهويل بفائض القوة بات عملة منقرضة لا تجدي نفعاً في المضيّ في سياسات الإنكار المدمرة التي قادت هذا العهد الى التسبّب للبنان بأسوأ ما تسبّب به عهد بعدما رهن نفسه لكي يوفر دور الغطاء لحلف الممانعين وسلاح حليفه الشيعي. ولا نخال أن حزباً بمزايا “استراتيجية” عابرة للإقليم أخذته الى ميادين الصراع المفتوحة من اليمن الى سوريا فالعراق ودائماً في الجنوب اللبناني كما في فلسطين وعلى الجبهة الوجودية مع إسرائيل، فاته معنى أن يتهاوى أمامه وبين يديه دومينو حلفائه التاريخيين من رموز التحالف معه ومع نظام بشار الأسد.

ولكن سياسات الإنكار والتجاهل لن تجدي نفعاً هذه المرة ولو طال انتظار إقرار الحزب بأنه توّج فشله في “حماية” أكثرية الهيمنة التي أطبقت على القرار السياسي للسلطة طوال السنوات الماضية مثلما لن يرى من التحوّل الكبير الذي جعل أعتى قوة مسيحية مناهضة لهيمنته المسلحة وارتباطه وارتهانه للمحور الإيراني أي القوات اللبنانية تقطف قصب التوهّج في استحقاق 2022 وتنبري مع البرلمان الجديد الى قلب معادلة التحكم بالأكثرية فضلاً عن الدلالات المدوّية لتقدّمها في إدانة سياسات “التيار الحاكم” المغطي هيمنة “حزب الله”.

كل هذا لن يدخل إطلاقاً في أدبيات الاعتراف والمراجعات الذاتية، لا علناً ولا ضمناً، لدى ثنائي حلف مار مخايل لأن السنوات العزيزة السالفة من عمر هذا الحلف منذ 2006 أفهمتنا بما يكفي من مآثر، كان آخرها انهيار لبنان فقط لا غير، أن لا مكان في هذا النمط من الثقافة السياسية لشيء اسمه المراجعات. أقله تفضّلوا بالإجابة على رسالة الناخبين اللبنانيين إليكم بـ”جاءنا عزيز كتابكم.. والسلام”!

 

نبيل بومنصف – النهار