بين الـ2000 والـ2022

هل يشبه استنهاض الساحتين السنية والدرزية في الانتخابات العامة التي ستجرى الأحد المقبل، ذلك الذي شهدته انتخابات العام ألفين حين حصد الرئيس الشهيد رفيق الحريري والزعيم الدرزي رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط نتائج لصالحهما، في مواجهة خصومهما في عهد الرئيس السابق العماد إميل لحود وحلفاء الوصاية السورية آنذاك على رغم كل الخطوات التي اتخذت من أجل تحجيمهما؟

في تلك الدورة الانتخابية التي سبقها ورافقها زرع بذور التمرد على إمعان دمشق في التحكم بالقرار اللبناني من أصغر تفاصيله إلى أكبرها في أصغر دائرة في الإدارة العامة إلى القضاء والنيابات العامة… وصولاً إلى العام 2005، حين أدى اغتيال الحريري إلى خروج الجيش السوري من لبنان، حيث قامت السلطة الحاكمة التي أُطلقت عليها تسمية «النظام الأمني اللبناني السوري»، بكل ما يلزم للإبقاء على تفوقها. بلغ الأمر في حينها درجة تعديل قانون الانتخاب لرسم الدوائر تقطيعاً وتوصيلاً من أجل ضمان سيطرة حلفاء دمشق. من الفروقات التي بين تلك الدورة وبين الحالية أنه كلما كان النافذون عند اللواء غازي كنعان يأتون إليه بخريطة لتقسيم الدوائر وفي حساباتهم أن باستطاعتهم هزيمة الحريري، كانوا ما يلبثون أن يعودوا إليه بعد استطلاعات للرأي تظهر قدرته على تجاوز الأفخاخ، ليجيبهم ممثل النظام السوري بالواقعية التي ميّزته عن غيره: ماذا تريدونني أن أفعل أكثر من أن أدعم التقسيم الذي ترسلونه للدوائر إذا كانت قوة الحريري ستمكنه من الفوز؟

إذا كان «حزب الله» ومن خلفه إيران هما الجهة التي حلت مكان غازي كنعان اليوم، فإنها جهة أثبتت التجربة أنها لا تتمتع بالواقعية نفسها في فهم التركيبة اللبنانية، كما أثبتت التجربة. فالحسابات الخارجية والإقليمية تطغى لدى الحزب على حساسية الفسيفساء اللبنانية.

الفروقات بين العام 2000 وبين الدورة الحالية عديدة سلباً وإيجاباً، لكنها لا تلغي التشابه في الجوهر وهو أن هناك هجمة لتكريس أرجحية المحور الإيراني السوري في مؤسسات السلطة اللبنانية مهما كان الثمن، إزاء نمو بذور الاعتراض اللبناني الذي اتصف تاريخياً بأنه عصي على التطويع لا سيما مسيحياً ودرزياً وسنياً… حتى إشعار آخر، على استتباع البلد لمقتضيات المشروع الإيراني إقليمياً. أحد أوجه الشبه البارزة هو الاستنفار الدرزي الواسع حول جنبلاط كما تجلى في مهرجان أول من أمس في الذكرى الخمسين لمؤسسة «العرفان» الذي شهد حشداً كبيراً حول رئيس الاشتراكي، فضلاً عن خطابه السياسي الذي حذّر فيه «من اغتيال سياسي جديد عبر الانتخابات»، داعياً المشايخ إلى أن «نردَ الهجمةَ سويّاً كما فعلتم في جبلِ العرب، وكما فعلتم في كلِ موقعةٍ من حربِ الجبل، عبرَ صناديقِ الإقتراع، لمنع الإختراق، والتطويع والتبعيّة… ومن يريدونَ مصادرةَ القرارِ الوطني اللبناني المستقل، لصالحِ محورِ الممانعة، محور التدمير ومحور التزوير». والحشد هو رد فعل على التحشيد الذي يقوم به «حزب الله» من أجل تحجيم التمثيل الدرزي وغير الدرزي، التقليدي، للزعامة الجنبلاطية، مثلما سعت المخابرات السورية واللبنانية قبل 22 سنة.

من الفروقات أن الحليف المسيحي لـ»حزب الله» الرئيس ميشال عون يتمتع بحيثية وازنة، على تراجع ثقلها الأكيد جراء تراكم الإخفاقات، خلافاً للرئيس لحود الذي كان شبه مجردٍ من تأييد طائفته، لكن في المقابل كان رئيس حزب «القوات اللبنانية» في السجن، فيما هو اليوم يقود صعوداً دور حزبه مسيحياً، مقابل هلع جبران باسيل من فقدان توقيع الرئاسة بانتهاء ولاية عمه بعد أن وضع كل بيضه في سلة الحزب والمحور الإيراني، مع توقع احتفاظ «التيار الوطني الحر» بعدد متقارب مع كتلته الحالية، جراء الجهد الكبير الذي يبذله «حزب الله» لهذا الغرض. لكنه لن يتمكن من أن يعوض له الحلفاء الوازنين الذين كسبهم في دورة 2018 والذين انفكوا عنه تباعاً، وحتى بعض الملتزمين في تياره. ومن الفروقات أيضاً أن جاذب الحريري الأب أدى إلى استنفار سني في دورة الـ2000 ، ليس متاحاً اليوم بعزوف زعيم «المستقبل» الرئيس سعد الحريري عن الترشح وخوض تياره الانتخابات، ما طرح إشكالية التفويت على الحريرية السياسية فرصة الالتفاف السني حولها، نظراً إلى تحوّل الحريري الإبن مثل الأب، إلى ضحية مظلومة ومستهدفة من الذين بيدهم السلطة. ورغم ذلك فإن استنكاف السنة لغياب زعيمهم، شهد تغييراً في الأسبوعين الماضيين نتيجة التعبئة المطردة ضد «حزب الله»، الذي اعتمد سياسة الصمت والأسف على غياب زعيم «المستقبل» في تكتيك إعلامي هدفه الحؤول دون أي استنفار ضده من الناخب السني. ويبقى أسبوع من الوقت حتى يتبلور مدى فعالية التعبئة لاستنهاضه. وهو ما جعل التوقعات الواقعية للحصيلة تشير إلى أن الأكثرية الواسعة في البرلمان المقبل ستتوقف على نائب أو إثنين لهذا الفريق العريض أو لخصومه.

ثمة فارقان أساسيان آخران. الأول أن الهوية اللبنانية للحزب كممثل للمكوّن الشيعي الأساسي في التركيبة الداخلية، تندمج مع هويته السياسية الإيرانية، خلافاً للعام 2000، بالمقارنة مع الوجود السوري ومخابراته. والثاني أن لوائح القوى التغييرية المنبثقة من ثورة 17 تشرين، على تشتتها، ستأكل من صحن القوى التقليدية المعارضة لهيمنة «حزب الله» على القرار اللبناني. وهو على طريقته شجع على كثرة اللوائح لأنها في مصلحته بالمعنى الانتخابي.

وليد شقير – نداء الوطن