بيضة نصرالله.. أم دجاجة الدولة؟

يعزو الأمين العامّ لحزب الله حسن نصر الله لنفسه ولحزبه فضيلة حماية لبنان ودولته. وحين يتواضع يقول ما قاله في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل من أنّه بحزبه وسلاحه وموقفه السياسي وعلاقاته، يقف خلف ما تقرّره الدولة في هذا الملفّ الحسّاس.

‏لكنّ الرجل لا يكفّ عن إدهاشنا بالمعادلات و”الفوازير” غير الرمضانية التي يطرحها علينا كلّ حين. فبعد خسارة حزب الله للانتخابات النيابية وفقدانه الأكثرية التي يتمتّع بها منذ العام 2018 وكانت موضوع احتفال من قاسم سليماني، ذكّرنا في خطابه الأخير، بأن لا دولة في لبنان ولا بلد. قال نصرالله: “خللي يبقى في دولة وبلد حتى تطالبنا بنزع سلاحنا”.

لم يكتفِ نصرالله بنفي صفة الدولة عن لبنان، بل ذهب إلى حدّ نفي صفة البلد عن لبنان، ولم يتردّد في أن يستعمل كلمة “سلاحنا” ليؤكّد من حيث لا يريد أنّ هذا السلاح هو سلاح فئة ومجموعة لا سلاح لبنان واللبنانيين.
يضعنا نصرالله أمام “فزّورة” حول أيّهما يسبق الآخر، بيضة السلاح أم دجاجة الدولة؟ فهل علينا أن ننزع السلاح لبناء الدولة؟ أم أن نأمل ببناء دولة في ظلّ سلاح هو المانع الموضوعي لبناء أيّ دولة؟ الجواب بديهيّ بالطبع. فحزب الله هو الفاعل الأوّل والرئيس الذي يهدم مداميك الدولة ليل نهار وعند كلّ استحقاق وفي كلّ ملفّ، وهو الذي يتنافخ، في الوقت نفسه، على اللبنانيين، بأنّهم المقصّرون والعاجزون عن بناء الدولة التي يقول بأنّ الوصول إليها هو كلّ مبتغاه.

فإذا كنّا بلا دولة وبلا بلد فكيف يكون تبرير السلاح أنّه يحمي الدولة ويحمي البلد؟! وإن كنّا بحاجة إلى الشروع الفوري في بناء الدولة واستعادة البلد، فكيف يمكن ذلك من دون البدء بمعالجة فوضى السلاح؟!

 

الانتخابات كاستفتاء

ما أحاول الوصول إليه هنا ليس لعبة أحاجٍ أو ممارسة تذاكٍ مضادّ للمعادلات الفارغة التي يحترفها نصرالله، بل أعرض ما أعتقد أنّه التعبير الموضوعي والدقيق عن الأزمة الفعليّة لمنطق سلاح حزب الله. الحزب الذي من أجل حماية السلاح وحماية الإمساك التامّ بالطائفة عليه أن يذهب بعيداً في الخلاف مع بقيّة اللبنانيين. فإذا كان من قيمة للانتخابات البرلمانية الأخيرة فهي أنّها شكّلت استفتاءً واضحاً على موضوع السلاح لا أكثر ولا أقلّ، وجاءت النتائج لتكشف أنّ أغلبية مسيحية وأغلبية درزية وأغلبية سنّيّة، وقطاعات لا يمكن قياسها بدقّة في الوسط الشيعيّ، عبّرت كلّها بشجاعة عن رفضها لسرديّة حزب الله عن السلاح وموقعه ودوره في حياة اللبنانيين.

ما قاله اللبنانيون عبر هذا الاستفتاء هو عكس ما يقوله نصر الله في تلك الجملة الأحجية، ومفاده قولهم إنّه لا استمرار البلد ممكنٌ ولا قيام الدولة مضمونٌ إذا استمرّ السلاح على ما هو عليه.

لا يحتاج هذا الشعور العارم الذي عبّر عنه اللبنانيون إلى الكثير من الدراسات. يمكن ببساطة شديدة أن نرسم خطّين بيانيّين، أوّلهما حول المسار التصاعدي لإمساك حزب الله بالدولة ومؤسّساتها وسياساتها العامّة وتشكيل حكوماتها وعمل مجلس الوزراء. وأمّا الخطّ الثاني فهو يرسم مسار استفحال الانهيار المؤسساتي والسياسي والاقتصادي الذي وصلنا إليه. ما ستمكن ملاحظته هو أنّ الدولة والاقتصاد انهارا بالتوازي مع تضخّم إمساك حزب الله بالدولة والمؤسّسات وبالقرار السياسي.

كلّما زادت قدرته على التحكّم بالدولة ومؤسّساتها وقراراتها، اقتربنا من الانهيار أكثر. فليس من الصدف أنّ ذروة قوّة حزب الله هي ذروة ضعف الدولة. هذه معادلة واضحة مهما تحايل عليها حزب الله بتذاكٍ لفظيّ من نوع “معادلة الجيش والشعب والمقاومة”.

بهذا المعنى أتّفق مع ما ذهب إليه حسن نصرالله من أنّ اللبنانيين تعايشوا مع سلاح حزب الله في السابق. هذا صحيح، ولا سيّما حين ازدهرت نظريّات التعايش بين المقاومة والإعمار أيام الرئيس الراحل رفيق الحريري، وفي غياب الاختلال القائم اليوم بين وضعيّة الدولة ووضعيّة السلاح، لصالح الأخير. هذا التعايش ما عاد ممكناً اليوم إلا بمعنى التسليم التامّ للدولة أمام الدويلة.

في أحجية البيضة والدجاجة يمكن للمرء أن يعثر على دراسات جازمة بعضها يفيد بأنّ البيضة سابقة على الدجاجة وبعضها يفيد بالعكس. وكلا الرأيين مدعّم بالأدلّة العلمية والخلاصات التي يقول أصحابها بأنّ الشكّ لا يرقى إليها.
الحوار المعطّل

أمّا أحجيتنا التي نتعامل معها هنا بين بيضة نصر الله ودجاجة الدولة، فحلّها واضح ولا لبس فيه إلا في عقل من يريد تأبيد السلاح ولو على حساب إنهاء البقيّة الباقية من هيكل ومعنى الدولة في لبنان.

 

نديم قطيش – أساس ميديا