الرئاسة الثانية محسومة لكن الاستحقاقات الكبرى آتية

اليوم يعود الرئيس نبيه بري للمرة السابعة على التوالي رئيساً لمجلس النواب. كان من المهم بمكان أن تتسم عودة بري بجوّ من التعقيدات الضرورية التي يجب أن ترمى في مسار “الثنائي الشيعي” الذي اعتاد منذ أعوام على التسويات السهلة التي يعرف نتيجتها مسبقاً، ويحقق ما يريده من دون أيّ عناء. هذه المرة يعود ممثل “الثنائي الشيعي”، لكن العودة أصعب، وأكثر تعقيداً، نظراً لأن “الممانعة” التي يقودها “حزب الله”، وتنضوي تحت رايتها “حركة أمل” تراجعت في الانتخابات الأخيرة. فهي ما استطاعت أن تعيد تكرار نتيجة انتخابات ٢٠١٨ الكارثية التي وضعت كل السلطات تحت جناح “حزب الله”، وسهّلت مزيداً من التسويات الاستسلامية. في عملية تعقيد التجديد في انتخابات رئاسة مجلس النواب يجب ألا يكون الرئيس بري الهدف بحد ذاته، بل “حزب الله” الذي يمثل حجر الرحى في هذا الفريق. والفريق المشار إليه خرج من الانتخابات الأخير منبوذاً الى حدّ بعيد في سائر البيئات اللبنانية، في وقت أدار فيه الانتخابات في بيئته بأسلوب فاشيستي ترهيبي واضح، وما قبل بأقلّ من أن تبقى البيئة الشيعية بكاملها في الأسر، أقله على مستوى التمثيل النيابي. ولو تركت حرية القرار والتحرك والتمايز في البيئة الشيعية من دون ترهيب وإرهاب لأتت النتائج مختلفة، ولكسرت الأغلال التي وضعها “حزب الله” والإطار التحالفي الذي يمثّله “الثنائي الشيعي” وفتح الباب أمام ولادة تعددية سياسية في البيئة التي نعتقد أنها بيئة تتمتع بحيوية كبيرة جداً على مستوى حسّ المواطنة، والخيار الحرّ، والانحياز لمنطق الدولة والقانون. هذا لم يحصل، لكن ما حصل أن البيئات الأخرى خلقت تعدّدية، وإن تكن بعض ملامحها فوضوية لناحية ضياع الوجهة، وغياب الإطار الناظم الضروري لخلف حالة تغييرية جدّية. من هنا فإن مجلس النواب الجديد، على علّاته، أفضل بأشواط من مجلس النواب المنبثق من انتخابات ٢٠١٨ السيّئة. وإعادة انتخاب الرئيس بري ستحصل، ومعها تتمّ تسوية بين الحلفاء غير المباشرين للإتيان بنائب الرئيس من صفوف “التيار الوطني الحر”. لكن هذا لا يقدّم ولا يؤخّر. وما كنّا نتوهّم أن شخصاً آخر غير بري سيحلّ في الموقع الثاني في الدولة، ولا أن “حزب الله” سيخوض معركة شرسة لانتزاع الموقع الرابع لصالح “التيار الوطني الحر”. فقد فعل “حزب الله” المستحيل لإنقاذ تيار الرئيس ميشال عون من الانهيار في الانتخابات النيابية، ونجح نسبياً، لكن على حساب حلفائه الآخرين الذين دفعوا ثمن حسابات “قاطرة” فريق “الممانعة” التي لم تتغيّر لغاية اليوم، وتحتاج الى غطاء ميشال عون وتياره، ولا سيما بعدما سحب الغطاء في كل مكان آخر. لم يبق لـ”حزب الله ” من حليف جدّي سوى الرئيس ميشال عون، وبعض الشخصيات والقوى الهامشية المسيحية أو الإسلامية.

إن انتخاب رئاسة مجلس النواب، وصفقة نيابة الرئاسة، يجب أن يكونا حافزاً للقوى التغييرية لكي توحّد قراءتها للمشهد اللبناني، وأن تخرج الى الساحة النيابية في المرّة المقبلة موحّدة، غير مشتّتة، لكي تكون وازنة في المعادلة السياسية اللبنانية. كما ان القوى السيادية عليها أن تتوحّد الى أبعد الحدود في مواجهة الحالة الفاشيستية التي يقودها “حزب الله” بيد من حديد. وكلتا الحالتين يجب أن تلتقيا حول قواسم مشتركة لمواجهة الاستحقاقات الكبرى القادمة لمنع “حزب الله” من تجويف نتائج الانتخابات.

 

علي حمادة – النهار