“الحزب” في الواجهة و”القوات” أمام المسؤولية

اعلن المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي غداة الاعلان عن نتائج الانتخابات ان “قوات جيش الدفاع رصدت مسيرة درون تابعة ل ” حزب الله ” تسللت من داخل الى الأراضي الإسرائيلية وانها كانت تحت متابعة وحدات المراقبة طيلة الحادث” . هذا التطور ليس غير معهود ولكن كثرا لا يفصلونه عن المعطيات الراهنة على اثر نتائج الانتخابات النيابية التي نزعت من يد الحزب الاكثرية النيابية والغطاء الطوائفي. فالحزب الذي لم يؤكد او ينفي موضوع المسيرة ،علما ان هذا ليس من عادته، يرجح هؤلاء انه وجه رسالة تتصل بواقع ان الحزب لن يغير في ادائه او مقارباته ايا تكن التوازنات الداخلية او المتغيرات في الداخل اللبناني. اذ اخذت الانتخابات بعدا خارجيا مهما على وقع الخسارة التي مني بها لحلفائه التاريخيين في مختلف المناطق لا سيما من حلفاء بشار الاسد والاختراق الذي حصل في الجنوب على رغم الشوائب الكثيرة التي تم تسجيلها في دوائر الاقتراع والتراجع الكبير لحليفه المسيحي على مستوى عدد الناخبين . ثمة ايجابية كبيرة رآها الداخل والخارج على حد سواء لجهة تسجيل خطوة كبيرة تدل على رغبة اللبنانيين في التغيير عبر هذه الانتخابات ، الامر الذي كان موضع تساؤل عن استكانة اللبنانيين لمصيرهم من دون اي رد فعل على اذلالهم وتدميرهم . فالعواصم المؤثرة التي كانت تحض على الاقتراع من اجل وضع قدم في الباب على الاقل كانت محقة الى حد كبير وان على نحو غير متوقع الى الحد الذي حققه مرشحو المجتمع المدني. ومع ان التغيير ليس كاملا لكنه رسالة لا يمكن للحزب او الثنائي الشيعي تجاهلها لجهة امكان ابقاء البيئة الشيعية عصية على التغيير . والاحتفال بسقوط رموز تاريخية موالية للنظام السوري في الجنوب تظهر مدى فقدان هؤلاء لصلاحية استمرارهم ومدى توق اللبنانيين الى التغيير .

ثلاثة باتت تترتب عليهم مسؤولية غير مسبوقة : اولا الحزب من حيث انكشاف ادارته انجاح حلفائه ومدهم بسبل الاستمرار واندثار الغطاء المسيحي بقرب انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون وافتقاد تياره الى العمق المسيحي الداعم في مقابل تحول هذا العمق الى الفريق المناوىء له في الوقت الذي لا يحظى رئيس تياره وان اعيد تثبيت شرعيته الشعبية بالقدرة على التواصل الخارجي كما فعل ابان الاعوام الثلاثة من بداية العهد فيما ان فرصته الرئاسية باتت معدومة ولو انه يعلن امتلاكه الكتلة الاكبر . فهذا يخدم “شعبويا” وليس سياسيا او ديبلوماسيا . وثمة مقاربة مختلفة قد تضع الحزب في الواجهة لا سيما ان رئاسة مجلس النواب باتت تشهد تحديا من خلال الرفض المسبق لاعادة انتخاب الرئيس بري الذي من المرجح ان يعاد انتخابه ولكن ما يروج من اسباب لعدم اعادة انتخابه غير مسبوقة وتنال من تاريخه ومسيرته الطويلة على نحو لم يعد الثنائي في منأى عن المد الذي بدأ في الانتفاضة .

وهناك تشاؤم كبير ازاء رغبة الحزب في تغيير اهدافه في ظل تجارب سابقة على غرار اتفاق الدوحة الذي لم يلبث عن انقلب عليه تنفيذا لخط بياني رمى الى السيطرة على الاكثرية النيابية ورئاسة الجمهورية وتقييد رئاسة الحكومة. وهو ما حققه ويصعب الاقرار بفقدان مرتكزاته . ومن هنا سبب التشاؤم ازاء المرحلة المقبلة ما لم تكن مسببات التغيير اقليمية متصلة بمجريات الامور مع ايران علما ان مسؤولية المزيد من الانهيار لن تكون بعد الان على التيار العوني بمقدار ما ستكون على “حزب الله” ما دام ساهم في تعويم التيار وتكبير حجمه . ما يعني انه سيكون في واجهة دفع البلد الى واقع كارثي غير مسبوق .

التحدي الاخر يقع في شكل خاص على رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع لجهة تشكيله احدى الجهات الاساسية التي لا يمكن تجاوزها وقدرته على انتزاع عناصر تظهر تغييرات جذرية في الواقع ان من خلال قدرته على تشكيل تحالف كبير من المستقلين يلتقون على الاهداف نفسها وليس ضرورة كتلة متراصة لن تنجح او من خلال فرض تعديل في الاداء من خلال الاستحواذ على وزارات مهمة كوزارة الطاقة مثلا التي استنزفت الخزينة اللبنانية . فأسوأ ما يمكن ان يحصل في الحكومة المقبلة ان تبقى حصرية وزارات في ايدي اطراف معينة فشلت فيها فشلا ذريعا لم يعد محتملا . وكان لافتا مثلا اعلان الرئيس نجيب ميقاتي استغراقه خمسة اشهر من عمر الحكومة لازالة كلمة سلعاتا من خطة الكهرباء . وهذا من حساب اللبنانيين واموالهم المهدورة. وستكون هناك ايجابية كبيرة لو استطاع التلاقي مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي اظهر براعة في ادارة معركة انتخابية حققت له الفوز الكامل . ولكن مع اضطلاع جعجع بقيادة الفريق المناوىء للحزب، فانه بات عليه اتخاذ خيارات صعبة من بينها احتمال ربط نزاع مع الحزب من اجل ادارة المرحلة المقبلة وفق ما يخشى البعض ، بدءا من الحكومة في ظل امتلاك الثنائي الشيعي لحصرية التمثيل الشيعي وفي ظل وضع منهك وافلاس يتطلبان توافقا لخطة التفاوض مع صندوق النقد الدولي .
اما التحدي الاخير فيقع على عاتق مجموعة المستقلين ومجموعة المجتمع المدني من غير المعروفين والذين يخشى ان تظهر التباينات بينهم نظرا الى الاختلافات المتعددة ازاء الاولويات وعدم الخبرة السياسية تماما كما فعلوا ازاء عجزهم عن تشكيل مجموعات متناسقة قبل الانتخابات . فهؤلاء قوة لا يجب اهدارها والخشية من اختراقها وتشويها لافقادها فاعليتها كما فعلت السلطة مع الانتفاضة علما ان نجاحهم اعطى املا للناس بانه يمكنهم التغيير فعلا وانه لم يفت الاوان ابدا لذلك .

 

روزانا بومنصف – النهار