هل تعيد الانتخابات الثقة بأهل السلطة؟

لعل أبرز ما توصلت اليه بعثات ديبلوماسية مهتمة بان قانون الانتخابات الحالي الذي تم دفع المنتفضين اللبنانيين إلى خوض الانتخابات على اساسه وحجز مقاعد لهم تساهم في التغيير المرجو هو قانون مفصل على قياس القوى السياسية ويقيد إلى حد كبير هامش وصول قوى مستقلة. هذه الخلاصة تسمح بالاستنتاج ان لا تغيير كبيرا يمكن ان يحصل ولكن هذا لا يمنع من اصرارها على ضرورة الاقتراع ومحاولة وضع الرجل في الباب ايا يكن عدد من يتاح لهم الوصول وفق القانون المعمول به راهنا. السؤال الذي يطرحه البعض يتصل بما اذا كان وصول قوى من المجتمع المدني يمكن ان يضفي شرعية على مجلس نيابي يكرر نفسه لا سيما ان القوى السياسية الموجودة في الحكم راهنا فقدت ثقة الخارج . والواقع ان لبنان انهك المجتمع الدولي الذي لم يعد يأبه ولا يريد الاستماع او معرفة ما يجري في لبنان باستثناء فرنسا على الارجح الذي وضع رئيسها لبنان في جعبته اينما حل ولا يزال يضع لبنان على سلم اولوياته فيما جهد في الاشهر والاسابيع الاخيرة من اجل رأب الصدع بينه وبين الدول الخليجية . السلطة التي ستعيد انتاج نفسها تفتقد إلى الصدقية التي تسمح بمدها بالدعم اللازم الذي تحتاج اليه فيما ان المساعدات التي تتقرر للبنان تنحصر في الواقع الانساني والمعيشي كما هي حال الية الدعم الفرنسية السعودية المشتركة التي قد تقارب دعم المستشفيات الحكومية بخجل.

تجزم مصادر ديبلوماسية بأن لبنان نجا بما حصل عليه من مؤتمرات دعم انسانية نظمتها فرنسا في الدرجة الاولى حتى الان قبل الحرب الروسية على اوكرانيا والا لكان الامر سيكون مستحيلا راهنا وفي المدى المنظور مع التغييرات الكبيرة التي دخلت على اوروبا وارباكها من جهة واضطرارها إلى تغيير اولوياتها على صعد عدة من جهة اخرى. وذلك علما ان دولا مانحة كانت تعبت من لبنان ولم تعد ترغب في مساعدته ايا تكن الاعتبارات ربما باستثناء اعانات انسانية فقط . وتاليا فان السلطة التي ستعيد انتاج نفسها بنسبة كبيرة ستكون امام تحدي استعادة صدقية الخارج العربي والدولي وامام تحدي منع انزلاق لبنان إلى المزيد من الانهيار والافلاس الذي لا شك ان لبنان سيتجه إليه إذا لم ينفذ الاجراءات الاصلاحية. اما الكلام على استعادة الثقة المحلية فقد تكون ابعد منالا ولا يشكل اعادة انتخاب القوى نفسها تجديد الثقة بها باعتبار انها تدرك جيدا مدى ما بلغته وستبلغه من رشوة الناس في عز الفقر والجوع من اجل الاقتراع لهم مجددا . ومن هنا التشكيك الكبير ايضا بمدى صدقية هذه القوى ما بعد توقيع الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي في ظل اقتناع بان اقرار القوانين المطلوبة من الصندوق حتى الان لا يعني تنفيذها او العمل بها. والشكوك كبيرة ازاء بروباغندا دعائية ما قبل الانتخابات النيابية سرعان ما ستتبدد بعدها او في انتظار الانتخابات الرئاسية في ظل رهانات دائمة على تطورات اقليمية او دولية تغير المعطيات الداخلية وتساهم في انقاذ لبنان او مساعدته. وهذا ليس خاطئا كليا لان لبنان ليس جزيرة ويتأثر بمحيطه في شكل خاص ولكن لم تعد الامور الصعبة في لبنان ترتبط بمآزق سياسية بل بوقف الانهيار واتخاذ ما يلزم من اصلاحات من اجل القدرة على الوقوف لاحقا والتي ستكون متعذرة ايا يكن الدعم السياسي او الخارج لاطراف معينين ك “حزب الله” مثلا . أضف إلى ذلك ان عودة السفراء الخليجيين إلى بيروت لن تعني في اي حال في المدى المنظورعودة خليجية داعمة بالاموال والاستثمارات. فهذه تنتظر الكثير ليحصل الامر مجددا اي العودة الخليجية الكاملة والتي غدت صعبة . اذ ان العودة الراهنة للسفراء عنت فقط و في الدرجة الاولى وبناء على منطق الوساطة الفرنسية التي عملت على هذا الخط وكذلك المبادرة الكويتية وان كان صياغتها تتضمن بنودا لا يسهل تنفيذها الفوري ، مراجعة ذاتية لعدم المساهمة في قطع لبنان عن محيطه ومنح مكاسب على نحو غير مباشر لمن يدفع في هذا الاتجاه ويرغب فيه وتاليا الكسب من ابتعاد الدول الخليجية عن لبنان، بالإضافة إلى عدم المساهمة في اختصار لبنان ككل ب”حزب الله” وممارساته لان لبنان بكل مكوناته وتعدديته لا يمكن اختصاره بالحزب ولا يجب اعطاءه هذا الاعتبار . فهذا سيكون انتصارا لهذا الاخير فيما ان زيارة البابا فرنسيس إلى لبنان على سبيل المثال تعطي البعد الحقيقي الواجب ان يبقى عليه هذا البلد الذي اساءت اليه قواه السياسية ودفعت إلى انهياره. ولذلك ستظل هذه العودة قاصرة عن الاضطلاع بالادوار الداعمة والمساعدة بقوة كما كانت تفعل من قبل وذلك في انتظار ان يقوم اهل السلطة في لبنان بالاضطلاع بواجباتهم الاصلاحية وتحمل مسؤولياتهم. وإذا كانت اكثرية “حزب الله” ستعيد انتاج نفسها فهل ستتحمل مسؤولية التوجه إلى الاصلاحات ام انها ستبقى اكثرية غير مسؤولة على غرار ما كانت بعد انتخابات 2018 ملقية التبعات على كل الاخرين علما انها شاركتهم باكثريتها في كل الحكومات وكانت تعطيلية أكثر منها ايجابية. وهذا يشمل الحزب وحلفاءه اي الرئيس نبيه بري والتيار العوني وهم جميعا من امسكوا بالبلد لا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 وقد تسارع الانهيار في ظل تخبطهم جميعا وسوء ادارتهم وهدرهم اموال الدولة والناس.

 

 

روزانا بومنصف – النهار