نقاش في «المنطقة الحرة»

برزت في الآونة الأخيرة فكرة مفادها إنشاء «منطقة حرة» في لبنان برعاية دولية يتسلّم فيها الجيش اللبناني الأمن بقرار دولي، فهل هذه الفكرة قابلة للتطبيق؟

يجب الإقرار أولاً انّ كل ما يصدر من أفكار مردّه إلى التغييب المتواصل للدولة واستمرار لبنان ساحة مستباحة والانزلاق إلى قعر الهاوية والدخول في مرحلة من الانهيار المفتوح على كل الأصعدة ورفض الفريق الآخر النقاش في السبب الرئيس للأزمة المتمثِّل بسلاحه وخطفه للدولة، وبالتالي أمام هذا الواقع المريض، وأمام العجز عن فعل أي شيء، وأمام عدم تقبُّل مشاهدة الموت البطيء للبنانيين وعذاباتهم، فإنّ كل الأفكار تصبح مبررة سعياً إلى إنقاذ شعب ودولة وجمهورية وكيان.

ولا يجب إطلاقاً ان تتحوّل اي فكرة إلى مشكلة مع القوى التي تحاول البحث عن حلول للأزمة اللبنانية، إنما يجب إبقاء المواجهة مركزة مع الفريق الذي يصرّ على إبقاء لبنان في دوامة هذه الأزمة. وبالتالي، اي فكرة تُطرح يجب التعامل معها على قاعدة انها محاولة صادقة ترمي إلى البحث عن حلول لدولة مخطوفة وشعب معذّب.

وعلى رغم استحالة ترجمة بعض الأفكار على أرض الواقع إلا انّ أهميتها تكمن في كسرها لمحرّمات معينة، وذلك من قبيل الفدرالية مثلاً التي يتعامل معها البعض بكونها دعوة إلى التقسيم، وهي ليست كذلك على الإطلاق، كما ان جوهر الأزمة لا علاقة له بطبيعة النظام السياسي، إنما في الفريق الذي يمنع وجود دولة ونظام ووطن ولا يمكن ان يتعايش أساساً مع نظام سياسي بمعزل عن شكله وطبيعته، وبالتالي أهمية طرح الفدرالية يكمن في تحوّلها من مادة ممنوعة إلى مادة طبيعية خاضعة للنقاش الأكاديمي والسياسي.

وما ينطبق على الفدرالية ينسحب على الدعوة إلى إقامة «منطقة حرة»، وأهمية هذه الدعوة مربّعة الأبعاد:

البعد الأول إبقاء الضوء مركّزاً على جوهر الأزمة اللبنانية، إذ بمعزل عن هذا الاقتراح او غيره، فإن الأساس هو في التركيز المتواصل على دور «حزب الله» في مصادرة قرار الدولة وتحويل حياة اللبنانيين إلى مأساة حقيقية، وبالتالي مجرّد إثارة «المنطقة الحرة» يعني التصويب على الحزب ودوره.

البعد الثاني مخاطبة المجتمع الدولي عموماً والولايات المتحدة خصوصا بأنّ هناك أكثر من خيار لإخراج لبنان من أزمته، فإذا كان متعذراً إعادة الاعتبار راهنا لسيادة الدولة على مساحة الـ10452 كلم، فلا بأس من إنشاء منطقة حرة ريثما تنجلي ظروف المنطقة وتقود إلى حلّ مع إيران يقود بدوره إلى تسليم «حزب الله» لسلاحه، لأن هذا السلاح مرتبط بقرار إيراني، ولا يجوز إبقاء كل لبنان مخطوفا ومأزوما، خصوصا ان الحزب غير قادر على السيطرة عسكريا على مناطق خارج إطار بيئته المذهبية.

البعد الثالث توجيه رسالة إلى «حزب الله» بأنّ التسليم بسلاحه لن يحصل، وسيطرته على لبنان مرفوضة، وانه في حال أصَرّ على التمسُّك بسلاحه الذي يمنع قيام الدولة فإنّ كل الخيارات الأخرى مفتوحة وفي طليعتها حصر سيطرته داخل بيئته، لأن البيئات الأخرى غير مضطرة الى تحمُّل انعكاسات سلاحه ودوره.

البعد الرابع توجيه رسالة إلى اللبنانيين بأنّ «المنطقة الحرة» لا تعني الترسيم نفسه الذي كان معمولاً به في الحرب على قواعد طائفية، إنما ترسيم لبناني يضمّ البيئات المسيحية والإسلامية التي ترفض العيش في دولة محكومة من دويلة وتريد ان تعيش حياة طبيعية وآمنة ومستقرة ومزدهرة في دولة يحكمها الدستور والقانون بعيداً عن مغامرات وحروب أبقت وتُبقي لبنان معزولاً في ظل دولة فاشلة وعدم استقرار سياسي ومالي.

وعلى رغم واقعية هذه الأبعاد وصحتها إلّا انّ جوانب الضعف في طرح «المنطقة الحرة» تكمن في الآتي:

الجانب الأول انّ المجتمع الدولي الذي أهملَ تطبيق القرارات الدولية الصادرة عنه،

لن يطبّق قرار إنشاء المنطقة الحرة، في حال إصداره، بدليل أنّ قراراته المتعلقة بلبنان بقيت معلقة، بدءاً من القرار 1559 الذي ينص صراحة على نزع سلاح «حزب الله»، مروراً بالقرار 1680 الذي يدعو إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، الأمر الذي رفض النظام السوري تطبيقه بسبب عدم اعترافه بالكيان اللبناني، وصولا إلى القرار 1701 الذي يطبّق صورياً، ولكن فعلياً ما زال «حزب الله» يحتفظ بمخازنه وحركته، وما يسمى بالأهالي، أي الحزب، يمنعون القوات الدولية من القيام بدورها.

الجانب الثاني ان الدولة اللبنانية العاجزة عن توقيف مَن أدانتهم المحكمة الدولية بجريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، والتي عجزت عن تطبيق قرار حكومي يقضي بنزع شبكة الاتصالات لـ»حزب الله»، لن يكون باستطاعتها تنفيذ قرار دولي بإقامة «منطقة حرة»، وبالتالي الاتكاء على الدولة ان تنفذ قراراً من هذا النوع أقل ما يقال فيه انه «مزحة».

الجانب الثالث انّ الجيش اللبناني الذي يتّبِع سياسة توفير الحماية للبنانيين في الداخل ويضع حدودا مع «حزب الله» لن يلجأ إلى تنفيذ قرار دولي يضعه في مواجهة مباشرة مع الحزب الذي سيستخدم سلاحه رفضاً لتنفيذ هذا القرار كونه يؤدي إلى عزله جغرافياً وإسقاطه من الخارج والداخل، وبالتالي واهِم كل من يعتبر ان الجيش في وارد تنفيذ قرار دولي من هذا القبيل في حال صدوره.

الجانب الرابع ان المنطقة الحرة التي أنشأتها المقاومة اللبنانية في الحرب وكانت خارج سيطرة الجيش السوري، لم تُنشأ بقرار دولي، إنما أُنشأت بشهادات ونضالات وتضحيات فئة من اللبنانيين، وبعد ان سَيّجتها بقوتها الذاتية نجحت في وضع خطوط حمر دولية عليها، ولكن المجتمع الدولي لم يكن في وارد إقامة منطقة حرة لفئة من اللبنانيين في الحرب لولا إرادتهم بالبقاء والصمود والوجود والدفاع عن الذات ولبنان.

ولو أنّ العماد ميشال عون لم يَقم بحربي التحرير والإلغاء لما كانت سقطت المنطقة الحرة والخطوط الحمر حولها.

الجانب الخامس ان المجتمع الدولي الذي لا ينفِّذ القرارات الدولية في لبنان، وتخلى عن الشعب السوري، ولم يحرِّك قيد أنملة أمام غزوة روسيا لأوكرانيا، لن يتدخّل لفرض «منطقة حرة» في لبنان.

الجانب السادس ان الحلّ للأزمة اللبنانية يجب ان يكون لكل لبنان وليس بالتخلي عن مناطق لبنانية ولبنانيين ينشدون قيام الدولة اللبنانية ويرفضون تشريع وضعهم تحت نفوذ «حزب الله»، فلا يجب ان يُجَزأ الحلّ اللبناني، إنما يجب ان يكون شاملا لكل لبنان ولجميع اللبنانيين.

الجانب السابع ان الحلّ للأزمة اللبنانية مزدوج بمنع «حزب الله» داخلياً من انتزاع أكثرية نيابية في الانتخابات تُمكِّنه من إعادة إنتاج السلطة، والدفع بالاتجاه الذي يركِّز عليه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بالذهاب إلى مؤتمر دولي على غرار ما حصل في اتفاق الطائف، لأنه لا يمكن معالجة إشكالية السلاح بحوار لبناني لأنّ القرار في هذا السلاح إيراني، ولذلك، فإن المدخل للحلّ هو انعقاد مؤتمر دولي من أجل لبنان.

الجانب الثامن ان التركيز يجب ان يبقى منصباً على دور «حزب الله» الذي يحول دون قيام الدولة، ودعوة المجتمع الدولي إلى تحمُّل مسؤولياته بتنفيذ القرارات الدولية، وعدم حَرف النقاش باتجاه قضايا، على رغم أهميتها، تنقل التركيز من المواجهة مع الحزب، إلى التباين داخل الصفوف السيادية حول الحلول الأفضل المطلوب اعتمادها، و»المنطقة الحرة» على غرار الفيدرالية، لن تبصرا النور في ظل سلاح الحزب، وبالتالي من الأجدى إبقاء التركيز باتجاه واحد.

فلكل هذه الجوانب مجتمعة وغيرها، إنّ «المنطقة الحرة» غير قابلة للتطبيق، وفي مطلق الأحوال لا يجب ان يتحول الهمّ المشترك بين أصحاب القضية الواحدة الذين يتقاطعون على الهدف نفسه المتمثِّل بقيام دولة إلى خلاف وتباينات ومزايدات، وبالتالي فليلجأ كل فريق إلى ما يراه مناسباً من آليات تحت سقف القضية نفسها من أجل قطع الطريق على الخصم الذي يستفيد دوماً من تَشرذم أبناء الخط السيادي الواحد، لأن لا خلاص سوى في وحدة الموقف والصفّ.

 

شارل جبور – الجمهورية