لماذا حلّ الأزمة اللبنانية قد اقترب؟

من المسلّم به انّ الدور الداخلي يقتصر على ربط النزاع مع الفريق الآخر من أجل منعه من حسم المواجهة لمصلحته ووضع لبنان تحت سيطرته، فيما الحلّ لا يأتي من الداخل، إنما من ميزان القوى الخارجي، فهل بدأ هذا الميزان يميل لمصلحة الفريق السيادي في لبنان؟

تشهد الساحة الإقليمية حراكاً غير مسبوق منذ زمن بعيد، وقد يكون السبب المباشر له مواجهة احتمال الوصول إلى اتفاق نووي. ولكن بمعزل عن هذا السبب فإنّ الخلل المزمن في التوازن الإقليمي لمصلحة إيران شكّل ضررا كبيرا لدول المنطقة ومصالحها، وأفسح في المجال أمامها للتمدّد والتوسّع والتدخّل في الشؤون الداخلية لهذه الدول من دون رادع، وبالتالي بمعزل عن الاتفاق النووي لا يجوز ان تبقى المنطقة مساحة مشرّعة للنفوذ الإيراني بسبب غياب التوازن الإقليمي المطلوب.

وما يحصل اليوم كان يجب ان يحصل منذ زمن لأنّ منطق القوة لا يواجه سوى بقوة من الطبيعة نفسها، ولم تنجح إيران في نشر ثورتها الدينية-السياسية سوى بسبب غياب التوازن المانع والرادع، ومن دون هذا التوازن ستبقى بعض دول المنطقة عرضة لتدخلات مفتوحة، والدول الأخرى في مرمى الخطر والاستهداف، وبالتالي الحلّ الوحيد يكمن في نشوء تحالف إقليمي يضع إيران عند حدها.

وقد أظهرت الأحداث انّ الاتكاء على الولايات المتحدة في غير محله، لأن للأخيرة أولوياتها وحساباتها ولا تتحرّك سوى وفقاً لمصالحها، ولن تلعب واشنطن دور الرادع للتمدُّد الإيراني مجاناً، وإذا استثنيت إدارة الرئيس ترامب التي علّقت الاتفاق النووي، فإن إدارة أوباما وقّعت النووي من دون ان تربط التوقيع بالدور الإيراني، ويبدو ان الإدارة الحالية تحذو حذوها بالوقوع في الفخ الإيراني الذي يتنازل بعد «شق النفس» نووياً من أجل ان يحتفظ بدوره الأساس في تصدير الثورة.

فالهدف الرئيس لإيران هو تصدير الثورة، وبدلاً من ان يكون دورها التمدُّدي موضع نزاع وتفاوض لمنعها من مواصلة هذا الدور، حيّدت دورها وحصرت التفاوض بسلاحها النووي، وهي تدرك انه لن يكون بإمكانها صناعة قنبلة نووية، ولو فعلت لن تتمكّن من استخدامها، وبالتالي كل هدفها إلهاء واشنطن والمجتمع الدولي بالجانب النووي الذي يهمّه ويخيفه، وذلك من أجل ان تتفرّغ بالمقابل لدورها في تصدير الثورة، والأسوأ من ذلك ان الاتفاق النووي كان له مساهمة فعالة في تزخيم المشروع الإيراني التمدُّدي من خلال الإفراج عن جزء مهم من الأرصدة الإيرانية المجمدة.

وقد جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتؤكِّد المؤكّد بأنّ الأمم المتحدة موجودة صوَرياً والمجتمع الدولي في غيبوبة تامة والرهان هو على الذات فقط. ولذلك، على القوى الإقليمية ان «تقلّع شوكها بيدها»، وقد وصلت إلى هذا الاستنتاج منذ زمن بعيد، ولكن لم يكن هناك من ظروف موضوعية تسمح بنشوء تحالف إقليمي، ومن الواضح ان هناك من الدول العربية مَن خطّط وعمل باحترافية وذكاء وبال طويل حتى نضجت ظروف هذا التقاطع، واللقاءات المتتالية التي حصلت مؤخرا ليست وليدة ساعتها ولم تنته مع انتهائها.

ولا شك ان إيران توقفت مطوّلاً أمام اللقاء الذي جَمع وزراء خارجية مصر والامارات والبحرين والمغرب وإسرائيل مع وزير الخارجية الاميركية انطوني بلينكن في صحراء النقب مؤخراً، كما توقفت مطوّلاً أمام قمّة شرم الشيخ التي حضرها الرئيس عبد الفتّاح السيسي ووليّ عهد أبو ظبي الشيخ محمّد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، وتوقفت مطوّلاً أيضاً أمام قمّة العقبة التي ضمّت الملك عبدالله الثاني والشيخ محمّد بن زايد ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ووزير الدولة السعودي الأمير تركي بن محمّد بن فهد بن عبد العزيز.

وأحد العناوين الأساسية لهذه اللقاءات كيفية التصدي للتمدُّد الإيراني ووَضع حد لنفوذها في المنطقة ومواجهة احتمالات إحياء الاتفاق النووي، وتدلّ على دور مصري متقدّم في موازاة الدور الخليجي، وتجري على أرضية ترى في إيران العدو لا إسرائيل، ما يعني سقوط النظرية القديمة «سلام الأنظمة لا الشعوب»، ولا شك ان الأداء الإيراني مسؤول عن إيصال شعوب المنطقة إلى هذه النتيجة والقناعة على رغم انّ تل أبيب لم تسلِّم بعد بحقّ الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة عاصمتها القدس.

وأي قراءة موضوعية لهذا الاصطفاف الإقليمي المُستجد تخلص إلى اعتبار ان العدّ العكسي للتفوُّق الإيراني العسكري والأمني والسياسي قد بدأ، وان طهران أصبحت أمام واقع جيو-سياسي جديد على مستوى المنطقة، والاتفاق النووي في حال وقِّع أم لا سيصبح تفصيلا أمام هذا الحلف الإقليمي الذي يعني ان ميزان القوى الذي كان لمصلحة طهران سيتحول ضدها.

ومعلوم ان الأحلاف لا تولد بين ليلة وضحاها، إنما تتطلب ظروفا موضوعية، وقد خلقت إيران بنفسها هذه الظروف بسبب إمعانها في سياستها التوسعية وهز استقرار دول المنطقة، وعلى رغم ان هناك من يعتبر ان الحلف الوليد قد تأخّر، إلا ان مقاربة الأحداث منذ إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، الذي فتح المنطقة أمام النفوذ الإيراني، إلى اليوم تقدِّم صورة جلية عن الأسباب الموضوعية للتأخُّر، ولكن في كل هذا الوقت هناك مَن كان يخطط للوصول إلى هذه اللحظة التي ستفسح في المجال أمام إعادة إرساء توازن الرعب مع طهران الذي كان فُقِد مع سقوط نظام صدام، وهذا التوازن سيكون كفيلاً في تحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة:

الهدف الأول إخراج المنطقة من كونها مسرحا للتدخُّل الإيراني، لأن طهران لن تجرؤ على مواصلة تدخلاتها في ظل ميزان قوى إقليمي لغير مصلحتها.

الهدف الثاني عودة الاستقرار إلى المنطقة عموما وإلى الدول التي تشهد تدخلا إيرانيا، لأنه من مصلحة إيران مع ميزان القوى الجديد التبريد لا التسخين حفاظا على أذرعها.

الهدف الثالث ولادة فرصة جدية للمرة الأولى من أجل الاستقرار والسلام الإقليميين، لأنه مع تجميد طهران لدورها المزعزع للاستقرار، ومع تعطُّل دور أذرعها، تدخل دول المنطقة في فرصة جدية لإنهاء النزاع وإرساء الاستقرار على أسس دَولتية فعلية.

وفي كل هذا المشهد الإقليمي المتحرِّك بدينامية لافتة لمصلحة الدول العربية التي تُنشد السيادة لدولها والاستقرار على مستوى المنطقة، تجري الانتخابات النيابية في لبنان التي من أبرز مهامها رفع الغطاء الشرعي عن الذراع الإيرانية وإرساء توازن رعب جدي مع هذه الذراع بالتوازي مع توازن الرعب الإقليمي، وذلك من أجل الوصول إلى تسوية تُعيد الاعتبار إلى الدولة والدستور وحصرية السلاح على حساب الدويلة والسلاح غير الشرعي.

فجُلّ ما هو مطلوب من الداخل مواصلة المواجهة السياسية مع الذراع الإيرانية، ومنعها من الفوز في الانتخابات بالأكثرية، وانتظار الحلّ من الخارج الذي اقترب كثيراً، لأن لا حلّ من دون توازن رعب إقليمي، وهذا التوازن أصبح حقيقة ثابتة، وبالتالي لبنان أمام فرصة تاريخية جديدة، وأهميتها هذه المرة ان طهران معزولة وأذرعها مأزومة، اي انها لن تتمكّن من تعطيل الحلول المنشودة، فيما الحلف الإقليمي المستجد مصمِّم على وضع إيران عند حدها وإعادتها إلى داخل حدودها.

وتبعاً لكل ذلك، فإن حلّ الأزمة اللبنانية قد اقترب، لأن الوجه الأساسي لهذه الأزمة خارجي ويرتبط بالدور الإيراني، ومع توازن الرعب الإقليمي الناشئ حديثاً فإنّ طهران ستنتقل من الهجوم إلى الدفاع وصولاً إلى اضطرارها الدخول في تسويات تحتفظ فيها بدور سياسي لأنّ البديل إخراج نفوذها بشكل كلي وكامل.

 

شارل جبور – الجمهورية