لكي تكون “وجودية” حقاً!

يغالي “الحزب” في التذاكي من خلال الخطاب الديماغوجي الذي يصوّر خصومه بأنهم لا يملكون سوى التحريض عليه مع أنه كان السبّاق، على نحو مثبت ومفاجئ الى حدّ ما، في إشهار خطاب التخوين الى ذروته مصوّراً المعركة الانتخابية بأنها “لتحرير” لبنان من “أزلام أميركا”. ما كان للأمر أن يشكل علامة فارقة في سياق انتخابي طبيعي لولا أن الفترة الباقية من العد التنازلي الى يوم 15 أيار ستشهد استفحالاً في المعركة الدعائية – السياسية بين الحزب وخصومه بما لن يبقي المعركة في إطار انتخابي صرف بل سيرسم آفاق الاستحقاق التالي الذي نعتبره أهم وأشدّ خطورة وهو استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية. لذا نودّ أن نأخذ على طابع الجدّية الكبيرة أن يكون خطاب القوى المعارضة والتغييرية والمناهضة للسلطة بتحالفاتها الحالية، سواء القوى التقليدية أو القوى الجديدة الطالعة من الانتفاضة المجتمعية، مستنداً الى هدف صراعي سياسي لا يفقد المعركة جوهرها السيادي أولاً وأخيراً، ولو أننا لا نحجب الخشية الكبيرة حيال التشرذم الذي يطبع تحالفات هذه القوى بعدما أخفقت في تنظيم إطار جبهوي واسع للمعركة.

والحال أن الأيام الأخيرة من إعلان اللوائح الانتخابية وما ترسمه من معالم أولية للخط البياني للمعركة تشير واقعياً الى حدّ أدنى مقبول لجهة الانخراط الكبير في أدبيات الحملات الانتخابية للقوى المعارضة والمناهضة للتحالف السلطوي المهيمن راهناً، ولا سيما لجهة إضفاء خلفية أساسية على المعركة تتسم بتحصين الاندفاعات الى الساحات الانتخابية ببعد سيادي مناهض في المقام الأول لـ”حزب الله” كقاطرة للقوى المرتبطة بالمحور “الممانع”.

مع ذلك، لا نتوهّم أن تكون هذه النقطة وحدها كافية لجعل المعركة متكافئة خصوصاً أن الصورة الشاملة للتحالفات واللوائح على مستوى كل لبنان، التي يفترض أن تكتمل في الساعات المقبلة، تحتاج الى تدقيق معمّق بعد اكتمالها إن لجهة التقديرات والحسابات لاحتمالات الربح والخسارة وما بينهما، وإن (وهنا الأهم) لجهة بدء جهد آخر يتعيّن على مجموع هذه القوى أن تعدّ العدّة له من الآن.

ذلك أن الدعاية الإعلامية الغالبة راهناً، مستندة الى “جيش” الخبراء الانتخابيين الذين يجتاحون الشاشات، تركّز على اعتبار الأكثرية المقبلة في مجلس 2022 ملك أيدي القوى المتحالفة قسراً أو طوعاً ضمن محور 8 آذار، أي تحت جناح “حزب الله” أساساً. وحتى مع افتراض الصحّة والدقة في حظوظ عودة امتلاك هذا الفريق الأكثرية النيابية المقبلة فإن المعطيات نفسها التي تمنحه هذا الواقع يستحيل معها أن يحصل على حلمه وطموحه الحقيقي بامتلاك أكثرية الثلثين “القاتلة” التي تتيح له أن ينقضّ بالكامل على السلطة بانتخاب رئيس مطواع آخر له يخلف الرئيس ميشال عون. تبعاً لذلك لا يملك خصوم هذا المحور ترف الاكتفاء بإدارة معركة توفير العدد الأكبر الممكن من المقاعد لكل من قواهم بمعزل عن وضع هدف عريض معلن وجامع وإجماعي ولو من من ضمن تحالفات متفرّقة هو التحصّن بالعنوان السيادي لجبهة نيابية عريضة بعد ولادة المجلس العتيد تكون أولى وظائفها تشكيل السدّ الحتمي لمنع انتخاب رئيس امتدادي للعهد الحالي ومنع تجدّد الظروف القاهرة التي أفضت الى فرض فراغ شكّل الإطار المشؤوم لفرض التسوية الرئاسية التي جاءت بالرئيس الحالي. ولا نظن أن الوقت فات على هذا “التصويب” الحاسم لبوصلة معركة تُصوَّر بأنها “وجودية”.

 

نبيل بومنصف – النهار