لا إصلاحات قبل الانتخابات ولبنان أمام فراغين

كل ما يشهده لبنان من شد حبال على مستوى إقرار الإصلاحات المطلوبة من المجتمع المالي الدولي كمقدمة للتوقيع على اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، ثم فتح الباب أمام قيام الدول المانحة الراغبة بمساعدة لبنان على الخروج من أزمته المالية والاقتصادية، هو من باب المسرح السياسي الذي يسبق الانتخابات. وبالتالي فالمواقف التي تخرج من جلسات اللجان النيابية المختصة، أو من الهيئة العامة لمجلس النواب الحالي لا تعدو كونها مواقف للاستهلاك الإعلامي، والتموضع الانتخابي، ولا سيما أن موعد الانتخابات قريب جداً، ولم تعد هناك من جهة سياسية مشاركة في الانتخابات مستعدة لأن تمسك بكرة نار الإصلاحات. فأي إجراء إصلاحي حقيقي لا بد من أن يكون مناسبة لخلافات كبيرة. كما أن حال لبنان تفيد بأن الإجراءات الإصلاحية ستكون مؤلمة جداً للمواطن عموماً.

بناءً على ما تقدم، وفي انتظار أن تحصل الانتخابات سيبقى النقاش الإصلاحي نظرياً، وستتساقط المشاريع التي تصل الى اللجان النيابية الواحد تلو الآخر، أو توضع في الأدراج ريثما تنتهي الانتخابات، ويتم تأليف حكومة جديدة، ثم انتخاب رئيس جديد للجمهورية بحدود نهاية شهر تشرين الأول المقبل، هذا إن لم يحصل طارئ يخربط أجندة المواعيد الدستورية.

هذا ما يفسّر ما حصل البارحة في اللجان عندما طرح موضع إقرار مشروع قانون “الكابيتال كونترول” الذي جرى إسقاطه. طبعاً كان مشروع القانون أعد بشكل لا يمكن إلا أن يسقط في اللجان، نظراً لتضمّنه الكثير من البنود غير المنطقية التي ترمي على كاهل المودع جلّ العبء في ما يتعلق بالخسائر والإجراءات. لكن سيلقى أي مشروع قانون إصلاحي مقبل المصير نفسه، لأنه ما من كتلة مستعدة لأن تخوض جدياً في حقل ألغام سياسي وشعبي عشية الانتخابات النيابية.

إذن الامر متروك لمجلس النواب المقبل. والأهم أنه متروك للحكومة المقبلة التي يرجح أن يعود الرئيس نجيب ميقاتي على رأسها في إطار التزكية الفرنسية التي يتمتع بها، ولا سيما أن دعم باريس و الرئيس إيمانويل ماكرون صلب، وسيستمر في حال فوز الأخير في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية يوم الاحد المقبل. لكن الأهم أن باريس في حال بقاء ماكرون في قصر الإليزيه قد تصبح أكثر قدرة على تسويق ميقاتي في المملكة العربية السعودية، وخصوصاً أن التنسيق السعودي – الفرنسي في حال فوز ماكرون سيتطور أكثر في ما يتعلق بالملف اللبناني، بدءاً من إطلاق عمل الصندوق المشترك لمساعدة لبنان الذي بات جاهزاً للانطلاق، بعدما خصّصت له الرياض مبلغ خمسة و ثلاثين ميلون دولار كدفعة أولى.

لكن رغم ذلك فإن ضمان تكليف الرئيس ميقاتي لتشكيل الحكومة المقبلة بعد الانتخابات، لا يعني أن طريق تشكيل الحكومة المقبلة صار معبّداً، ولا سيما أن الأمر يتعلق بشكل المجلس الجديد، والنتائج التي سيحققها تيار رئيس الجمهورية. وبما أن التوقيع على مراسيم تشكيل الحكومة بيد الرئيس عون، فإن بازار التسوية الرئاسية العتيدة سيفتح على مصراعيه بين عون و”حزب الله” و بقية القوى المعنية. من هنا لا شيء يضمن توقيع عون على تشكيلة حكومية جديدة. و استطراداً يبقى وضع لبنان معلقاً في انتظار بلورة تسوية رئاسية، أو نصبح أمام فراغ حكومي ورئاسي معاً. من هنا صعوبة العودة الى البحث الحقيقي في الإصلاحات والإنقاذ المالي والاقتصادي.

 

علي حمادة – النهار