كل شيء مؤجَّل إلى ما بعد الانتخابات النيابية والرئاسية

لم تعد تفصلنا عن الانتخابات النيابية سوى ثلاثة أسابيع. كل الحركة الآن تتمحور حول الاستحقاق الانتخابي. كل الأفكار تنصبّ على يوم الخامس عشر من أيار المقبل. والأهم ان كل الاعمال الجدية (اذا كانت ثمة جدية) مؤجلة الى ما بعد الانتخابات، لا بل إنها مؤجلة الى ما بعد إعادة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، ثم نجاحه في تشكيل الحكومة المقبلة. لكن كل القوى المعنية بالانتخابات، ومن بعدها بتشكيل الحكومة المقبلة، تدرك ان المسألة اكثر تعقيدا، وقد يطول أمد التشكيل، وخصوصا اذا انزلق الجميع نحو مواجهة على وقْع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. هذا الامر متوقع، لا بل انه الأكثر احتمالا، كون الرئيس الحالي ميشال عون معنيّ بالاستحقاق الرئاسي من خلال خوضه حربا ضروسا لفرض صهره جبران باسيل في سدة الرئاسة، وإلا قد لا يخرج من قصر بعبدا بسلام، طارحا اقتراح التمديد له لعام أو عامين. من هنا الخشية ان تتحول الأشهر الستة المقبلة الى مرحلة انتظار ثقيل جدا على حياة المواطن اللبناني. فلا اتفاق مع صندوق النقد الدولي من دون حكومة مكتملة الاوصاف. ولا الشرط الأساس لهذا الاتفاق، أي “الكابيتال كونترول” ممكن في المدى المنظور باعتبار ان الجهات الحكومية التي تطرحه تلعب على إمرار الوقت حتى موعد الانتخابات، ومن ثم الى حين تشكيل الحكومة المقبلة. وللعلم فإن تشكيل الحكومة المقبلة قد يحمل في طياته عقداً أخرى غير مشكلة الرئيس ميشال عون وهوسه الرئاسي. فمجلس النواب الذي سيُنتخب سيكون منبع الحكومة وتوازناتها على رغم ان “حزب الله” يسرّب في الكواليس انه في حال استحواذه مع حلفائه على غالبية كبيرة تتجاوز الخمسة وسبعين مقعدا، سيصر على تشكيل حكومة فيها الحد الأدنى من التوازن بمشاركة قوى معارضة له. فالحزب المشار اليه مهتم بما يسمى “حكومة وحدة وطنية”. فهي تناسبه تماما كونه يؤثر الحكم من المقعد الخلفي، ويترك الواجهات، كما فعل في مرات سابقة، تتصدر المشهد، فيما يدير اللعبة من الخلف. بمعنى آخر، يحكم في الأساسيات ويتجنب الانزلاق في التفاصيل التي لا تهمه. لكن هذه المرة قد لا يجد “حزب الله” مَن يشاركه من المعارضة الجدية في حكومة يسيطر عليها.

كل شيء سيتأجل، في انتظار إتمام الاستحقاق الأول على الأقل. وبالطبع يجب الاخذ في الاعتبار ان اعادة انتخاب الرئيس ايمانويل ماكرون لولاية ثانية سينجم عنها تزخيم للتعاطي الفرنسي مع الازمة اللبنانية. فماكرون مصمم على دور فرنسي مركزي في لبنان، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، وذلك على رغم الحذر الشديد للأخيرة من الانخراط مجددا في تفاصيل الوضع اللبناني. بالطبع سيتعين على الرئيس الفرنسي الشديد الواقعية والبراغماتية ان يعمل أيضا مع “حزب الله”، ولا سيما ان الأخير قد يخرج من الانتخابات المقبلة محكماً السيطرة على الشرعية اللبنانية ومؤسساتها، ومستفيدا من تشرذم المعارضين، والإصلاحيين على حد سواء. والتاريخ يعلّمنا ان القوى الخارجية تفضل التعامل مع القوى التي تثبت قوتها على الأرض. وفي حالة “حزب الله” لن يكون مستغربا ان تتكثف الاتصالات بين باريس و”حزب الله”، علما ان ثمة حدودا لا ترغب فرنسا في تجاوزها، وهي من الناحية المبدئية تلك التي وردت في نص “بيان جدة” الثنائي الذي صدر عن لقاء الرئيس ماكرون وولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان.

 

علي حمادة – النهار