دولة النصب والشعب الضحيّة

الكارثة بعد عامين ونيّف أن يقول الرئيس النجيب ميقاتي، “إن الدولة غير مليئة”، وهو يعرف أنها كما سبق أن قال الرئيس القوي جداً ميشال عون قبل عامين لمجلة “باري ماتش” إن السياسيين هم الذين سرقوها ويحمون الفساد فيها، وعمق الكارثة الآن أن يتبنّى ميقاتي نظرية البنك الدولي، عندما يقول إن الدولة بلا ملاءة خالطاً بين السيولة والملاءة، ذلك أن الدولة غارقة في السيولة إذ إنها تملك حزمة هائلة من الموجودات، إذا أُحسن استثمارها تستطيع أن تغطي الخسارة بكاملها وأيّ خسارة؟

نعود الى الخسارة، كيف تستطيع المنظومة العصابة التي تنهش في البلد، أن تقول إن الدول التي أكلتها حِلاً ونسباً منذ أعوام تفقد الملاءة وهي الغارقة في السيولة، وقد سبق حتى للبنك الدولي من غير شرّ أن لفت الدولة في أحد مواقفه إلى أنه إذا أحسن استثمار موجودات الدولة التي يأكلها وحوش السياسة، فباستطاعتها أن تغطي اضعاف الخسارة بكاملها.

لقد أوضحت جمعية مصارف لبنان عندنا التقت ميقاتي في ١٨ نيسان، أن الخلط بين الملاءة والسيولة لا يرد عملياً على أرقام وواقع التخمين الذي أجري لأملاك الدولة العقارية مقدّراً إياها بثلاثين أو أربعين مليار دولار أميركي، وعملياً لقد تأمين هذا وفق عقلية المحاسب أو الخبير العقاري، لا بعقلية المستثمر الذي يعرف كيف يستغلّ هذه الأملاك عبر إنشاء المشاريع التي تضاعف قيمة هذه الموجودات العقارية!

الغريب أن اللقاء مع ميقاتي المسرع لا بل الراكض الخطوات سعيداً هذه الأيام لم يكن إيجابياً، ولا مثمراً، وكأن النجيب لا يعرف فعلاً، وهو الخبير الأصيل أصلاً، أن موجودات الدولة وأملاكها وخصوصاً ما فيها الحقوق التي يمكن منحها للقطاع الخاص أو من طريق مشاركته بها سواء في المرافق العامة كالكهرباء والمطارات والمياه والموانئ وقطاع الاتصالات وطرق المواصلات وسكك الحديد وغيرها من شأنها أن تجعل إمكانات الدولة لا تُعد ولا تُحصى، وأن جمعية المصارف على استعداد كامل لتقديم دراسات تفصيلية لهذه المشريع كأساس لإنشاء صندوة وطني لاستثمار هذه الموجودات وضمان بقاء ملكيتها للدولة، والأهم ضمان تغطية الخسائر والتعويض على المودعين بشكل كامل… ولكن لم يكن هناك من يسمع كما قيل!

ليس من الواضح على أيّ شيء يتّكل ميقاتي عندما يكرر دائماً، أن خطة التعافي تعطي الأولوية للحفاظ على حقوق المودعين وإعادة تفعيل كل القطاعات الإنتاجية، وأيضاً الحفاظ على القطاع المصرفي، وأن كل ما يقال عن تفريط بحقوق المودعين وضرب القطاع المصرفي هو إثارة البلبلة وتوتير الأجواء، كل هذا في وقت يجمع فيه الخبراء على أمرين، أولاً : أن الحكومة تتعامل مع خطة التعافي وكأنّها سر من أسرار السماء لم يُعلن شيء عن تفاصيلها طبعاً عشية الانتخابات [إذا جرت]، وثانياً: الفوضى العارمة والتخبّط في ما خصّ أموال الموعين وإبراء ذمّة الحرامي الأكبر أي دولة النصّابين والفاسدين.

عندما وقعت قبرص في أزمتها الاقتصادية فرضت قانون “الكابيتال كونترول” في خلال يومين فقط، وكذلك فعلت اليونان خلال يومين، ومصر خلال ٤٨ ساعة، إلا في لبنان الذي تديره منظومة من الفاسدين الحرامية، فمنذ عامين ونيف ونحن نتعمّد الجعدنة حول “الكابيتال كونترول”، ونسمع من منظومة الفساد يومياً وعلى مدار الساعة كلاماً عن الحرص على أموال المودعين، لكن يبدو أن الحرص هو على ذبح المودعين وتبرئة ذمة الدولة التي سرقتها منظومة الحكم الفاسدة، وتريد أن تخرج بريئة من دم لبنان وتحمّل المودعين كل الخسارة.

راجح خوري – النهار