خامنئي أذكى من بوتين؟

يحتاج الغرب، كي يفهم هواجس الشرق الأوسط الإيرانية، إلى أن ينعم النظر في الدروس المستفادة من أوكرانيا.

علي خامنئي أذكى بكثير من فلاديمير بوتين. هذه واحدة من الخلاصات الأكيدة لغزو روسيا لجارتها.

لا يختلف الرجلان بشهيّتهما لمراجعة التاريخ والجغرافيا. كلّ منهما يجترّ من الماضي البعيد “أسعد” حقبه، ويسعى إلى تكرارها بإمكانات مختلفة وظروف مغايرة وحظوظ شبه معدومة. يسكنان التاريخ ويمقتان الحاضر ويتطلّعان إلى مستقبل لا يأتي إلا على شاكلة الركام والمقابر.

يتشابهان كثيراً ويختلفان قليلاً. وفيما يختلفان به عن بعضهما البعض، تكمن “الخلطة السرّية”.
غامر بوتين بحرب أوكرانيا. سكنته قناعة بأنّ تجربة تحديث الجيش الروسي ستعيد تأسيس أسطورة سوفياتية أو قيصرية سابقة.

بيد أنّ سيل التقارير العسكرية لا يتوقّف عن عرض سقطاته. دبّابات يتمّ صيدها كالبطّ الراكد على ضفاف الأنهر. جنود يشلّهم ذهول الحرب وما كانوا يظنّون أنّهم ذاهبون إليها بل في مهمّات تدريب. اتّصالات مخترَقة على أرفع المستويات تكشف الميدان وتفضح معنويّات الجيش الروسي، بعد أن كشفت قبله الخطط العسكرية التي سرّب الأميركيون بعضها قبل بداية الحرب، علّهم بذلك يوقفون مغامرة سيّد الكرملين. فشل في احتلال المدن الرئيسية، أو إسقاط النظام أو تقصير مدّة “العملية العسكرية الخاصّة”. وفي المناطق التي احتلّها أو دمّرها، لا يستطيع تحويل أيّ إنجاز عسكري إلى إنجاز سياسي.

فشل في توسعة الشقوق بين الأوروبيين وبين ضفّتي الأطلسي. حتى المواقف الدولية الصينية والهندية والخليجية والإسرائيلية التي لم تسارع إلى الالتحاق التامّ بخطاب الإدانة الأميركي والأوروبي والآسيوي (جزئيّاً)، لم تفعل ذلك لأجل روسيا، بل تستثمر في لحظة دولية معقّدة لخدمة مصالح خاصة، ما يعني أنّ بوتين معزول دوليّاً ولا يستطيع أن يبني على التمايزات الموجودة من أجل بناء شبكة حماية ثابتة.

نصر أقرب إلى الهزيمة

لنفترض أنّ بوتين انتصر في انتزاع تحييد أوكرانيا أو وجد صيغة للتفاهم على طبيعة ومستوى تسلّحها، فهذا انتصار تجعله أكلافه نصراً أقرب إلى الهزيمة.

لنتذكّر، ويتذكّر معنا الأوروبيون والأميركيون، أنّ روسيا دولة نووية وأنّ بوتين لوّح بالنوويّ مراراً خلال الأسابيع الخمسة الماضية من دون أن يحبط عزيمة أوكرانيا ورئيسها أو يثير من الذعر الأمميّ ما يكفي لاستدراج خصومه إلى تسويات يرفضونها.

علي خامنئي، في المقابل، يعرف أنّ عتاده، كما معظم العتاد الروسي، يصلح للعروض العسكرية لا أكثر ولا أقلّ. ويعرف أنّ جيشه سيلقى المهانة نفسها التي يلقاها الآن الجيش الروسي لو قرّر دخول حرب تقليدية. آخر الحروب التي خاضتها إيران، كانت ضدّ العراق وهُزِمت. حداثة عمر النظام الثوري حينها، لم تعوّضها بنية الجيش القوية ولا جدّة عتاده وذخيرته.

ومنذ تلك الهزيمة تعلّمت طهران الدرس الذي لم تتعلّمه موسكو.

يقاتل بوتين بجيشه وتقاتل إيران بمرتزقة مذهبيّة من لدن الدول التي تعاديها وتحاربها. تستولي على لبنان بمرتزقة حزب الله. وعلى العراق بمرتزقة الميليشيات المشابهة، وكذلك في اليمن وسوريا. وعبر هذه الميليشيات المذهبية تمدّ أذرعها الأخطبوطيّة في أفغانستان وباكستان وإفريقيا. تضيف إلى الميليشيات خلايا أمنيّة وكارتيلات جريمة منظّمة تعمل في غرب إفريقيا وأميركا اللاتينية بل في قلب أوروبا وأميركا وعموم دول الشرق الأوسط.
لا تجرؤ إيران على المواجهة المباشرة. في إحدى لحظات التجلّي، قال إسماعيل هنيّة إنّ من وظائف مقاومته في غزّة ومن أسباب دعم إيران لها، أن تبقى الحرب بعيدة عن حدود إيران.

هذه الخلاصة هي خلاصة يتوجّب على الأوروبيين والأميركيين التنبّه لتفاصيلها.

يحارب فولوديمير زيلينسكي دولة نووية من دون كثير مهابة. لم يطالب بإدخال أيّ تعديلات على البرنامج النووي الروسي. قبله حارب الراحل أنور السادات إسرائيل النووية ولم يكن العنوان النووي مطروحاً في ترتيبات أيّ علاقة أو اتفاق بين القاهرة وتل أبيب.

النووي ليس هو المشكلة، بل الميليشيات. وحين تعارض دول المنطقة البرنامج النووي (الموقف الإسرائيلي مختلف وله خصوصية أخرى) فلأنّه بوّابة ماليّة وسياسية ومعنوية لتزخيم الميليشيات وتعزيز قدرتها وزيادة عدوانها. النقص الفادح كان ولا يزال، هو الفصل الساذج بين برنامج إيران النووي وبين مشاريعها التخريبية في الشرق الأوسط.

إيران الضعيفة

لن تصمد إيران أمام تحالف خليجي، أو تحالف خليجي إسرائيلي في أيّ حرب تقليدية، على الرغم من أنّها حرب لا يريدها أحد، ويسعى الجميع لتجنّب أكلافها بكلّ الطرق. فالحروب مكلفة، وترتفع كلفتها حين تُخاض بين من لا يملك ما يخسره كإيران وبين من يملك الكثير لخسارته كدول الخليج وإسرائيل. تعرف إيران قدرات سلاح الجوّ في المنطقة، وتعرف نوعيّة الأسلحة غير المستخدمة حتى الآن، والقدرات السياسية والدبلوماسية لخصومها، ومنظومة المصالح التي ستجد نفسها في خندق واحد في لحظة أيّ حرب تقليدية. وتعرف أنّ أيّ حرب تخوضها مباشرة لن تكون نتائجها أفضل من نتائج الغزو الروسي.

معرفة إيران هذه هي ما يجعلها تستثمر في الحوثي وحزب الله والميليشيات العراقية وغيرها.

هذه الميليشيات هي ما يُقلق المنطقة لأنّه وفي أيّ حرب بين حكومات وهذه الميليشيات، كما هو حاصل في اليمن، يشوّش على طبيعة الحرب، ويسهل جعلها تدخّلاً خارجيّاً في شأن داخلي لدولة ما. يصير حزب الله جزءاً من صراع أهليّ لبناني لا يجوز التدخّل فيه. وهكذا الحوثي في اليمن والميليشيات في العراق وسوريا، فيما هي في الواقع حروب بالوكالة تخوضها إيران ضدّ مجتمعات ودول ضمن رؤية تفتيت واضحة.

درس أوكرانيا، إذا ما تمّ إسقاطه على الموضوع الإيراني، بسيط ومباشر.

كما في روسيا كذلك في إيران. قد يكون النووي مشكلة، ولكنّه ليس المشكلة.

المشكلة هي الميليشيات والرعاية الإيرانية لها والاستثمار فيها وتوظيفها لضرب دول محدّدة من داخلها وتعميم الدمار والفقر والانهيار لمفاقمة الضغوط على التجارب الناجحة في الشرق الأوسط.

حين تعارض دول الخليج تحديداً الاتفاق النووي، تعارضه من زاوية مردوده على إيران ومردوده على ميليشياتها وعلى تلك النظرية العبقرية التي صاغها قاسم سليماني، أي محاربة الدول من لدنها ومن داخل مجتمعاتها بدل الهياج وجنون العظمة الذي مارسته روسيا.

النووي ليس أخطر ما في الغزو الروسي لأوكرانيا بل جنون العظمة وأوهام التاريخ.

النووي ليس أخطر ما في إيران بل جنون الميليشيات المذهبية، التي ستكون أوّل من يستفيد من اتفاق ناقص وضعيف وساذج.

 

 

نديم قطيش – أساس ميديا